الصفحة 14 من 22

فصل

حلُّ إشكال قد يقع في البال

قد يقول بعض إنَّنا نعيش في زمن الانفتاح، والقرية الكونية؛ التي فرضت نفسها على المجتمعات، وقد يصلح ما أكتبه لبعض المجتمعات المنغلقة على كينونتها الخاصَّة بها، أو أزمنة سابقة، وكثير من الناس يعيش في بلاد يكثر بها أهل الهوى والابتداع، فليس من بدٍّ إلا أن يستمع للأفكار حسنها وسيئها، وقد يكون غير محصَّنٍ فكريًا وعقديًا، كما تزعم أهميَّته، فما قولك؟!

فالجواب عن هذا الإيراد: أنَّ هذا الطرح فيه شيء صحيح و باطل، فأمَّا الصحيح فإنَّ هناك مجتمعات لها خصوصيَّتها الفكرية والعقدية، وهناك مجتمعات تكثر فيها المذاهب العقديَّة، والآراء الفكرية المغايرة لمنهج أهل السنَّة والجماعة، ولكن ... هل نقف عند هذا الحد، ولا ننتقي ونختار علماء أهل السنَّة الموجودين في كلَّ مكان من الأرض، ممَّا يساعدنا على البناء العقدي المتين؟

ثمَّ من الذي قال لهؤلاء احضروا لمن تشاؤون، لقلَّة أهل السنَّة والجماعة الموجودين في أراضيكم؟

أليس النَّبيُّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أخبرنا بأنَّه سيأتي زمان القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر؟! وذلك لأنَّ صحابة رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يجدون على الخير أعوانًا وهؤلاء القابضون على الجمر لا يجدون على الحقِّ أعوانًا.

ألم يخبرنا بأنَّه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌّ منه حتى نلقى ربنا؟ وأوصانا بأن نصبر حتَّى نلقاه على الحوض غير مبدلين ولا مغيرين؟ كما قال القائل:

تزول الجبال الراسيات وقلبه ... على العهد لا يلوي ولا يتغيَّر

ثمَّ هناك فرق بين أن يجلس إنسان مسلم في مجلس فيتحدَّث متحدثٌ بكلام خاطئ، ويكون المسلم الجالس في ذلك المجلس عَرَضًَا لا قصدًا، فإنَّ الأعمال بالنيَّات كما أخبرنا المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ والأمور بمقاصدها، وقد رُفِعَ الحرج عن هذا وأمثاله حين حضر هذا المجلس، ولكن ليس له إن علم ضلال قول ذلك المتحدِّث أن يبقى جالسًا في المجلس ذاك، بل يجب عليه مفارقته، وخاصَّة إن كان قليل العلم، وقد قال أبو قلابة ـ رحمه الله ـ: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإنِّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبِّسوا ماتعرفون) (الإبانة2/ 437) .

إنَّ فرضيَّات الواقع والتي يغلب عليها اللغة الانهزاميَّة، والأفكار المضلِّلة، تقتضي أن نكون أشدَّ إصرارًا في مفاصلاتنا العقدية، وأصلب عودًا في التلمُّس الجاد لوجود أهل السنة المعينين لنا بالإبقاء على استنبات الفطرة التي ولدنا عليها، وأهميَّة معرفة مصادر التلقي لنتصورها ونعتقدها مستمسكين بها، ولدينا أهل العلم وحملته الربانيُّون، فلنسألهم ولنستوضح منهم ما أشكل من أصول ديننا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت