الصفحة 12 من 22

فصل

استدراك لابدَّ منه

لا يعني التحذير من القراءة لكتب أهل الزيغ والهوى، أو متابعة آرائهم وأفكارهم بأي حال؛ ألاَّ يُنتَدَب أناس منَّ الله عليهم بالعمق العلمي في معرفة منهج أهل السنة، ورصانة الدفاع عنه، مع ما آتاهم الله من قوة وحجَّة في الكلام، وجزالة في المعاني والتبيان، بالتصدِّي لأهل البدع والضلالات، وكشف زيف شبههم؛ فإنَّ أهل السنة محتاجون أشد الحاجة لأولي العلم الربانيين المتمكِّنين، وخاصة في هذا الزمان، الذي كثرت فيه الشبهات وتسلط فيه الجهال على منابر الإعلام، وانتشر فيه الرويبضات الذين ينطقون في أمر العامة، فإننَّا بحاجة ماسَّة لمن منَّ الله عليهم بذلك وتكونت لديهم الحصانة العقدية، لأن يُنتدَبوا لجدال الزائغين، ومناقشة المغرضين، وقد كان في السابق من أهل العلم من ينتدب لذلك إذا رأى الشبهات قد كثرت، بل قد يناظر ويجادل أمام العامة، إذا خشي أن تتسرب الفكرة الضالة إلى عقولهم من أهل الضلال، حماية لهم منهم، وردًا لكيد الضُّلاَّل في نحورهم، كما ناقش الإمام أحمدُ ابنَ أبي دؤاد، وكما جادل الكنانيُّ بِشْرَ المريسي، وابنُ تيميةَ علماءَ الأشاعرة، وغيرهم كثير. وكانت هذه الحالة عند العلماء استثنائية، من أصل عدم مناظرة هؤلاء، أو الاستماع إليهم، إلاَّ إن اضطروا إلى ذلك، وخشوا أن تستفحل الفتنة أكثر فأكثر؛ فإنَّ أهل السنَّة استحبُّوا أن ينتهض الربَّانيون لمجادلة الضلاَّل.

وممَّن نبه على ذلك من علماء الإسلام: الآجرِّي ـ رحمه الله ـ بقوله عن أهل الضلالة والبدع: (فإن قال قائل: فإن اضطر في الأمر وقتًا من الأوقات إلى مناظرتهم، وإثبات الحجة عليهم ألا يناظرهم؟ قيل: الاضطرار إنَّما يكون مع إمام له مذهب سوء، فيمتحن الناس، ويدعوهم إلى مذهبه، كفعل من مضى، في وقت الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ثلاثة خلفاء امتحنوا الناس، ودعوهم إلى مذهبهم السوء، فلم يجد العلماء بدًَّا من الذبِّ عن الدين، وأرادوا بذلك معرفة الحق من الباطل، فناظروهم ضرورة لا اختيارًا، فأثبت الله ـ عزَّ وجل ـ الحق مع الإمام أحمد بن حنبل، ومن كان على طريقته، وأذلَّ الله العظيم المعتزلة وفضحهم، وعرفت العامة أنَّ الحقَّ ما كان عليه أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى يوم القيامة) (الشريعة للآجرِّي/ص66) ، ولهذا فلا يُذْكَر أن أُفحِمَ أهل السنة في مناقشاتهم لأهل البدع، أو مناظراتهم لهم ـ ولله الحمد والمنة ـ لأنَّ الله هاديهم، ومنوِّر طريقهم، وحقًَّا:

إذا تلاقى الفحول في لَجَبٍ ... فكيف حال البعوض في الوسط

أمَّا من أرادوا جرَّ أهل البدع والهوى لمناقشات لا يحسنون الجدل معهم فيها، بل يلقون في أذهانهم شبهًا تلجلج في عقولهم أيَّامًا حتى يفرجها الله بإزالة تلك الإشكالات من أهل العلم الربانيين، بعد أن يطوف عليهم هؤلاء المغمورون ... إنَّ هؤلاء القوم لا يقال لهم، إلاَّ لا تعرضوا أنفسكم للفتنة، فتكونوا للناس فتنة، حين لا يجدوا لديكم قوَّة في الحجَّة، وعمقًا في المناظرة، وكم أُتي أهل السنة والجماعة من أمثال هؤلاء!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت