فكيف بمن وضع تشريعًا عامًا وهو يقر أنه اتبع فيه الكفرة الملاحدة أعداء الرسل دون ما أنزل الله تعالى، وإذا كان الله تعالى قد جعل تغيير حكمه في الأشهر الحرم زيادة في الكفر كما قال تعالى: (إِنَّمَا النَّسِئُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) وقد كان في إرجاء أهل الجاهلية الشهر الحرام وإبداله بالحل ليقاتلوا عدوهم فيه، إذ كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم تعظيمًا لها، فسمّى الله فعلهم هذا في تغيير وإرجاء حكم الله تعالى في الشهر الحرام، زيادة في الكفر، فكيف بمن أرجأ الشريعة كُلها أو جُلها، وأحل محلها قوانين الكفرة الملاحدة أعداء الرسل والدين، فإلى أي مدى تبلغ زيادة كفره إذن.
غير أن هذه الأصوات لم تصل إلا إلى شيء واحد فحسب، هو أن تبقى على ذلك النص التقليدي الذي تصدر بعض دساتير الدول العربية (دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع) ، وهو كما قال عبد الحميد متولي متهكمًا: (إن هذا النص لا يترتب عليه أي التزام بتحكيم الشريعة وإنما هو بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدينية التي تدين بها الأغلبية أو كفارة تقدمها الدولة لعدم التزام أحكام الشريعة في تشريعاتها (.
ولا ريب أن هذا النص ما هو إلا أحد الأمثلة على ضروب التناقض التي تعيشها الأمة الإسلامية التي ضلت طريق الهدى بعد نبذ كتاب الله تعالى وأحكامه، ويعكس مدى الحيرة والتيه الذي صارت إليه.
ذلك أن معنى الدين هو الخضوع بالطاعة والانقياد، ومعنى الإسلام الاستسلام لله تعالى ورأس ذلك التسليم لأحكامه كلها بلا استثناء، قال تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ، وقال تعالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُوُنَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) .
وكما قال تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَّاسِ مَلِكِ النَّاس إِلَهِ النَّاس) ِ، فالرب هو الذي يخلق وينعم، والملك هو الذي يأمر وينهى ويحكم، والإله هو المعبود، فمن أكمل هذه المقامات الثلاثة أتم دين الإسلام كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه ربًا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا) ... (مدارج السالكين 2/ 190) .
فالإيمان بالله تعالى والإقرار بدين الإسلام يقتضي ضرورة التحاكم إليه وحده دون سواه، ومع هذا كله، فقد صار هذا النص منقوضًا بنفس الدساتير التي تصدره فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
العودة إلى الشريعة الإسلامية تقوم على أمرين:
ولا بد إذا أردنا عودة صادقة للشريعة الإسلامية أن نقيم هذا المشروع على أمرين: