ومن المنطق, أن ارتفاع الأمية بمعناها العام عن الأمة يرفع الأمية عنها بمعناها الخاص لأنه لايمكن للأمة التي لاتعرف الكتابة أن تتواصل مع رسالة ربها لتبلغها إلى الأمم والأجيال التي بعدها.
ومن فرض القول أنه بعد بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إرتفعت الأمية بمعناها العام عن الأمة المسلمة وإنتقلت إلى ماعداها من الأمم التي لم ترض بدين الله فأصبحت الأمة المسلمة غير أمية وأصبحت كل أمة غيرها أمية.
ومما يدلل على ذلك قوله تعالى"مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا"وليس ذلك مقصورا على اليهود وحدهم بل إن كل أمة تحمل كتابا ثم لاتحمله هي كمثل الحمار يحمل اسفارا وهذه منزلة أدنى من منازل الأمية بمفهوميها العام والخاص حتى وإن كانت أمة كاتبة قارئة. ويدلل على ذلك قوله تعالى"أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ"وقوله جل وعلا"بِئْسَ مَثَل الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه وَاَللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الظَّالِمِينَ"
أما أمية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأيات السابقات فإنما هي على إعتبار ماضيه -صلى الله عليه وسلم- كما أنها حجة لدحض كل تهمة عنه لأن كفار قريش يعلمون حق العلم أنه لايكتب ولا يقراء. ومما يدلل على ذلك أن القرآ ن الكريم في أسلوبه يتحدث أحيانا على إعتبار الماضي فمعلوم أن الصحبة بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين كفار قريش قد انفكت بعد إيمانه وتوحيده لله جل وعلا وبعد إصرارهم على الكفر والعناد وانتقل حق الصحبة إلى من آمن به ولذلك يقال عن الذين آمنوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأوه صحابته ولا يقال ذلك عن المشركين ومع ذلك خاطب الله سبحانه وتعالى كفار قريش قائلا"ماضل صاحبكم وما غوى"وذلك على اعتبار ماكان بينهم من صحبة.
أما الأمة في كتب التفسير فقد وردت في آيات كثيرة منها قوله تعالى"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة 143) وتفسيرها في قوله -صلى الله عليه وسلم-"يُدْعَى نُوح يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال لَهُ هَلْ بَلَّغْت؟ فَيَقُول نَعَمْ فَيُدْعَى قَوْمه فَيُقَال لَهُمْ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِير وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَد فَيُقَال لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَد لَك فَيَقُول مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْله"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"قَالَ وَالْوَسَط الْعَدْل"