الصفحة 7 من 66

على ما يناسبها من الجناية جنسا ووصفا وقدرا، لذهبت بهم الآراء كل مذهب، وتشعبت بهم الطرق كل متشعب، ولعظم الاختلاف، فكفاهم أرحم الراحمين مؤنة ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديره نوعا وقدرا، ورتب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة وما يليق بها من النكال، و أنت تلحظ أن هناك تناسبًا جيدا بين الجريمة وعقوبتها المقررة لها بحيث لو وضعت واحدة مكان أخرى أو لو عممت عقابا واحدا على جرائم متعددة لظهر لك على الفور الاختلال والاضطراب وعدم العدل في الأحكام.. فالشريعة مثلا عاقبت على السرقة بقطع اليد. ولكنها لم تعاقب على القذف بقطع اللسان، ولم تعاقب على الزنا بالخصاء. وعاقبت في القتل بالقصاص، ولكنها لم تعاقب في إتلاف المال بالقصاص، وسبحان اللطيف الخبير"1.. هذا عن أن الحدود حكمة.. وأما أنها رحمة.. فهي كذلك بالنسبة للمنحرف ذاته، وبالنسبة للمجتمع الذي يعيش فيه.. أما بالنسبة للمجتمع فذلك ظاهر لما تجلبه له من شيوع الأمن والحماية الأموال والدماء! وبما تدفعه عنه من أذى العدوان والقلق والترويع. فإذا أرخص الإسلام دم قاتل، فلكي يحقن ألوف الدماء ويحيط الجماعة كلها بما يحفظ عليها حياتها وأمنها {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (سورة البقرة 179) أي حياة هادئة مطمئنة لا بغي فيها ولا عدوان."

زد على ذلك ما في إقامة الحدود من بركات تعم المجتمع بأسره، وفي الحديث:"حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا"2 وفي رواية"أربعين ليلة"، أما أن الحدود رحمة بالمعتدي فيتجلى ذلك في مغفرة اللّه ورحمته التي تحوطه بعد إقامة الحد عليه. فالحدود كفارات للآثام وجوابر لها، تغسل أثرها وتمحو ذنبها، وكون الحدود جوابر لا ينفي أنها زواجر كذلك. وفي حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن ماعز:"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم"3 وعن الغامدية:"لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"4 كما جاء في السنة:"من أصاب في الدنيا ذنبا، فعوقب به فاللّه أعدل من أن يثني على عبده العقوبة"5. وروي أن"السارق إذا تاب سيقت يده إلى الجنة وإن لم يتب سيقت يده إلى النار"6، فالحد أشبه بجرعة من الدواء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 إعلام الموقعين جـ2/83.82.

2 ابن ماجة-باب إقامة الحدود.

3 رواه الخمسة واللفظ للترميذي انظر التاج 3/25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت