وبعد فإن العقوبات في الحدود وغيرها شرعت لمنع الكافة عن الجريمة وزجرهم عنها فهي ضمانات لتطبيق أحكام الشريعة وليس كما يتصورها الجاهلون بها وبحقيقتها وبطبيعة المجتمع المسلم حيث يتصورونه أو يصورونه مجتمعًا مقطع الأيدي في كل زاوية رجل مصلوب وفي كل شارع رجل مجلود أو مرجوم ويكفينا لتقرير هذه الحقيقة ورد هذه التصورات الجاهلة أننا حينما ننظر في المجتمع الملتزم بأحكام الله وحدوده أن هذه الجرائم لا تقع إلا في حالات قليلة بل نادرة في بعض أنواعها، في حين أننا نلاحظ ازدياد جرائم السرقة مثلًا في المجتمعات التي لا تطبق فيها الشريعة الإسلامية رغم أنها تعاقب عليها أحيانًا بالإعدام.
آمنا بالله وبشرعه فهو العليم الخبير أعلم بطبيعة خلقه وبما يصلحهم وما تستقيم به أحوالهم وشئون حياتهم .
{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}
دفاعٌ عنِ العقوُباَت الإسلاَمِيةِ
للشيخ محمد بن ناصر السحيباني عميد كلية الشريعة بالجامعة
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
السنة السادسة عشر - العددان الثالث والستون والرابع
والستون رجب - ذو الحجة 1404هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...
أما بعد:
فقد سبق أن وعدت في مقالة سابقة تكلمت فيها عن مزايا التشريع الإسلامي، وأشرت إلى ما تتعرض له الشريعة الإسلامية من استنقاص وازدراء من قِبَل أعدَائها، ومن قبل من يتظاهرون بأنهم من أبنائهَا، وقد وعدت في تلك المقالة أن أخص العقوبات الإسلامية بكلمة مختصرة موجزة، أبين فيها ما تبين من وجوه الحكمة فيها، وما تمتاز به عن العقوبات التي وضعها الإنسان وضعا ارتجاليا متأثراًَ بأهوائه ورغباته، مسترشدا بنظره القاصر، وتفكيره المحدود، وقبل أن أدخل في موضوع العقوبات، أقدم بكلمة قصيرة عن الجريمة ونظرة الإسلام إليها، فأقول مستعينا بالله:
أولا: تعريف الجريمة:
الجريمة عند أهل اللغة تأتي بمعنى الجناية وبمعنى الذنب. قال في اللسان:"وجرم إليهم وعليهم جريمة وأجرم: جنى جناية"1.