بحث حول: طبيعة العقوبة في الشريعة الإسلامية ومثاليتها
للدكتور حمد الحماد كلية الشريعة
الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
السنة السادسة عشرة ،العدد الثاني والستون ربيع الآخر
جمادى الآخرة 1404هـ
إن الأشياء التي تعتبر في نظر الشريعة جرائم إنما نهي عنها لأن في ارتكابها أضرارًا جسيمة تلحق بنظام المجتمع وعقائده أو بأمنه وكرامته أو بحياة أفراده وأموالهم وأعراضهم ومشاعرهم.
وعمل العقوبة هو أن تشعر المذنب بذنبه وأن تنبّهه إلى خطئه عسى أن يقوده هذا إلى التوبة والإصلاح وبذلك تصبح الجريمة كالملغاة.
وإذا أمكن الوصول إلى هذه الغاية بوسيلة أخرى أقل كلفة لم يكن من الحزم الإصرار على استخدام العقوبة في غير الحدود طبعًا لذا كان العفو أحيانا صورة من صور العقوبة بمعنى أنه قد يحقق غرضها من الإصلاح غير أنه له نفوس خاصة وظروف خاصة وذنوب خاصة.
وقد شرع العقاب لمنع الناس من ارتكاب المحظور وحملهم فعل المأمور حيث أن الأمر بفعل شيء والنهى عن فعل شيء لا يكفي في تنفيذه فالعقاب هو الذي يحمل على التنفيذ ويجعل للأمر والنهى معنى مفهومًا ونتيجة حقيقية, وهو الذي يزجر ويردع الناس عن المعاصي ويقضي على الفساد في الأرض.
قال الماوردي:"والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة وخيفة من نكال الفضيحة ليكون ما حظر من محارمه ممنوعًا وما أمم به من فروضه متبوعًا فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم"1.
إنّ تطبيق العقوبات في الشريعة يحقق ما تقدم إلى جانب أنه سوف يطارد الجريمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 الأحكام السلطانية ص 221 طبعة مصطفي الحلبي (الطبعة الثالثة) .
ويحصرها في مجال ضيق بل يقضي عليها قضاء تاما فيعيش المجتمع ملتزما إيجابيا بعيدا عن المحالفات وبذلك يتحقق صلاح حال البشر.
وإذا كان تطبيقها يحقق ما تقدم فإن تعطيلها يهدر ذلك كله وبسببه تتعطل أحكام الشرع من أمر ونهي لعدم وجود ضمان لها يحمل عليها من لا ينفذها طوعًا وتعود حياة المجتمع إلى مثل حياة الغاب يتسلط فيها القوي على الضعيف نهبًا وسلبًا وقتلًا واعتداء بل تعود الحياة إلى مثل قطعان البهائم لا شرف ولا كرامة ولا عرض مصان.