وقد وقع قوله {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} جوابًا لسؤال يقدر من معنى السؤال الوارد في السياق، فوقع (( جوابًا للسؤال الذي يقطر من قول {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} وهو: إي والله نبِّئْنا على أي مخلوق تتنزَّلُ ) ) [1] . وهذا مما يُمكِنُ تسميتُهُ بالتزاوج التركيبي في التعبير الجوابي. ويُمكِنُ توضيحُهُ بالشكل التخطيطي الآتي:
سؤال المتكلم ... جواب المخاطب ... جواب المتكلم (السائل)
(صريح) ... (مقدر) ... صريح
{هل أنبئكم على من ... (إي والله) ... تنزل على كلّ أفاك أثيم}
تنزل الشياطين
سؤال منه (مقدر)
(نبئنا)
ومما يلحظ في هذا الجواب البياني أنه جاء صادرًا من المتكلم السائل المبتدئ ذاته، مصدرًا بالفعل الذي ورد بالسؤال الصريح. واقعًا جوابًا لسؤال مقدَّر في جواب السؤال المصرَّح به، متضمنًا المبالغة من أمور: منها صيغة (تفعَّل) الدالة على الاشتراك، لا الوحدة والتفرد. ولفظة (كلّ) الدالة على العموم لا الخصوص. وصيغة المبالغة (فعّال) في قوله {أَفَّاك} ، والإفك، يعني (( كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه ) ) [2] . والأفاك: الذي يكثر من الإفك [3] . فهو - إذن - صيغة مبالغة. وصيغة (فَعِيْل) في (أثيم) يستوي فيها المذكر والمؤنث، والأثيم من الإثم (( والإثام اسم للأفعال المبطئة عن الثواب، وجمعهُ آثام ... وقد أثِمَ إثمًا وأثامًا فهوآثِمٌ وأثِمٌ وأثِيمٌ ) ) [4] .
والحال المتجددة في قوله {يُلْقُونَ السَّمْعَ} . ثم الكثرة في قوله: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} ، إذ جاء بحكم كذبهم بعد ما قضى عليهم بالإفك؛ لأنه (( أراد أن هؤلاء الأفاكين قَلَّ من يصدق منهم ) ) [5] .
ومما يلحظ أيضًا، أنّ هذا الجواب كسابِقيهِ ورد على حال تقدير سؤال و (( تقدير الشيء يؤذِنُ بفقده، وإن فقد الشيء لا يساوي وجوده ) ) [6] .
(1) مفتاح العلوم /479.
(2) المفردات في غريب القرآن /22 (أفَكَ) .
(3) الكشاف 3/ 133.
(4) المفردات في غريب القرآن /9 (إثم) .
(5) الكشاف 3/ 133.
(6) التبيان لابن الزملكاني /143.