وسئل هل المدينة من الشام؟
فأجاب: مدينة النبي صلى الله عليه وسلم من الحجاز باتفاق أهل العلم ولم يقل أحد من المسلمين ولا غيرهم أن المدينة النبوية من الشام وإنما يقول هذا جاهل بحد الشام والحجاز جاهل بما قاله الفقهاء وأهل اللغة وغيرهم. ولكن يقال المدينة شامية ومكة يمانية: أي المدينة أقرب إلى الشام ومكة أقرب إلى اليمن وليست مكة من اليمن ولا المدينة من الشام. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته: أن تخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب - وهي الحجاز - فأخرجهم عمربن الخطاب رضي الله عنه من المدينة وخيبر وينبع واليمامة ومخاليف هذه البلاد، ولم يخرجهم من الشام، بل لما فتح الشام أقر اليهود والنصارى بالأردن وفلسطين وغيرهما كما أقرهم بدمشق وغيرها.
وتربة الشام تخالف تربة الحجاز كما يوجد الفرق بينهما عند المنحنى الذي يسمى عقبة الصوان. فإن الإنسان يجد تلك التربة مخالفة لهذه التربة كما تختلف تربة الشام ومصر. فما كان دون وادي المنحنى فهو من الشام: مثل معان. وأما العلى وتبوك ونحوهما: فهو من أرض الحجاز. والله أعلم.
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور إذا ادعى أهل الذمة أنها أغلقت ظلما وأنهم يستحقون فتحها وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟. وإذا قالوا: إن هذه الكنائس كانت قديمة من زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغيره من خلفاء المسلمين وأنهم يطلبون أنهم يقرون على ما كانوا عليه في زمن عمر وغيره وأن إغلاقها مخالف لحكم الخلفاء الراشدين. فهل هذا القول مقبول منهم أو مردود؟. وإذا ذهب أهل الذمة إلى من يقدم من بلاد الحرب من رسول أو غيره فسألوه أن يسأل ولي الأمر في فتحها أو كاتبوا ملوك الحرب ليطلبوا ذلك من ولي أمر المسلمين. فهل لأهل الذمة ذلك؟ وهل ينتقض عهدهم بذلك أم لا؟ وإذا قال قائل: أنهم إن لم يجابوا إلى ذلك حصل للمسلمين ضرر إما بالعدوان على من عندهم من الأسرى والمساجد وإما بقطع متاجرهم عن ديار الإسلام وإما بترك معاونتهم لولي أمر المسلمين على ما يعتمده من مصالح المسلمين ونحو ذلك فهل هذا القول صواب أو خطأ؟ بينوا ذلك مبسوطا مشروحا. وإذا كان في فتحها تغير قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحصول الفتنة والفرقة بينهم وتغير قلوب أهل الصلاح والدين وعموم الجند والمسلمين: على ولاة الأمور، لأجل إظهار شعائر الكفر وظهور عزهم وفرحهم وسرورهم بما يظهرونه وقت فتح الكنائس من الشموع والجموع والأفراح وغير ذلك. وهذا فيه تغير قلوب المسلمين من الصالحين وغيرهم حتى إنهم يدعون الله تعالى على من تسبب في ذلك وأعان عليه. فهل لأحد أن يشير على ولي الأمر بذلك؟. ومن أشار عليه بذلك هل يكون ناصحًا لولي أمر المسلمين أم غاشًا؟. وأي الطرق هو الأفضل لولي الأمر أيده الله تعالى إذا سلكه نصره الله تعالى على أعدائه. بينوا لنا ذلك وأبسطوه بسطًا شافيًا مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى. وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ورضي الله عن الصحابة المكرمينوعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين. أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذب مخالف لإجماع المسلمين، فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من الأئمة. كسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم ومن قبلهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين: متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة، كأرض مصر والسواد بالعراق وبر الشام ونحو ذلك مجتهدًا في ذلك ومتبعا في