بسطت يدك. قال: (إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهى، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فاستأخر، ثم أردت أن آخذه ولولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان المدينة) .
فإذا كانت الشياطين تأتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لتؤذيهم وتفسد عبادتهم، فيدفعهم الله تعالى بما يؤيد به الأنبياء من الدعاء والذكر والعبادة ومن الجهاد باليد، فكيف من هو دون الأنبياء؟
فالنبى صلى الله عليه وسلم قَمَعَ شياطين الإنس والجن بما أيده الله تعالى من أنواع العلوم والأعمال، ومن أعظمها الصلاة والجهاد. وأكثر أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد، فمن كان متبعًا للأنبياء نصره الله ـ سبحانه ـ بما نصر به الأنبياء.
وأما من ابتدع دينا لم يشرعوه، فترك ما أمروا به من عبادة الله وحده لا شريك له واتباع نبيه فيما شرعه لأمته، وابتدع الغلو في الأنبياء والصالحين والشرك بهم، فإن هذا تتلعَّب به الشياطين، قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99، 100] ، وقال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] .
ومنها: أن يدعو الرائى بذلك ربه تبارك وتعالى ليبين له الحال.
ومنها: أن يقول لذلك الشخص: أأنت فلان؟ ويقسم عليه بالأقسام المعظمة، ويقرأ عليه قوارع القرآن إلى غير ذلك من الأسباب التي تضر الشياطين.
وهذا كما أن كثيرا من العباد يرى الكعبة تطوف به، ويرى عرشًا عظيمًا وعليه صورة عظيمة، ويرى أشخاصًا تصعد وتنزل فيظنها الملائكة ويظن أن تلك الصورة هى الله ـ تعالى وتقدس ـ ويكون ذلك شيطانا.
وقد جرت هذه القصة لغير واحد من الناس، فمنهم من عصمه الله وعرف أنه الشيطان كالشيخ عبد القادر في حكايته المشهورة حيث قال: كنت مرة في العبادة فرأيت عرشًا عظيمًا وعليه نور، فقال لى: يا عبد القادر، أنا ربك وقد حللت لك ما حرمت على غيرك. قال: فقلت له: أنت الله الذى لا إله إلا هو؟ اخسأ يا عدو الله. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة، وقال: يا عبد القادر، نجوت منى بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنت بهذه القصة سبعين رجلًا. فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لى: (حللت لك ما حرمت على غيرك) ، وقد علمت أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال: أنا ربك، ولم يقدر أن يقول: أنا الله الذى لا إله إلا أنا.
ومن هؤلاء من اعتقد المرئى هو الله، وصار هو وأصحابه يعتقدون أنهم يرون الله تعالى في اليقظة ومستندهم ما شاهدوه، وهم صادقون فيما يخبرون به، ولكن لم يعلموا أن ذلك هو الشيطان.
وهذا قد وقع كثيرًا لطوائف من جهال العباد، يظن أحدهم أنه يرى الله تعالى بعينه في الدنيا؛ لأن كثيرًا منهم رأى ما ظن أنه الله وإنما هو شيطان. وكثير منهم رأى من ظن أنه نبى أو رجل صالح أو الخضر وكان شيطانًا. وقد ثبت في الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رآنى في المنام فقد رآنى حقًا فإن الشيطان لا يتمثل في صورتى) . فهذا في رؤية المنام؛ لأن الرؤية في المنام تكون حقا وتكون من الشيطان فمنعه الله أن يتمثل به في المنام، وأما في اليقظة فلا يراه أحد بعينه في الدنيا.
فمن ظن أن المرئى هو الميت فإنما أتى من جهله، ولهذا لم يقع مثل هذا لأحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.