... هذه الفتوى، المقرونة بالأدلة، تغني عن أي رد سيقال إنكارًا على مزاعم هؤلاء، ولكن مع هذه الفتوى يمكننا أن نستدل بقول الباقلاني، في رد حجة سيبويه الذي قوَّى بها رأيه، إذ قال الباقلاني: «لو كان أعجميًا لكانوا يحتجون في ردِّهِ - أي كفارُ قريشٍ-، إمَّا بأنَّ ذلك خارجٌ عن خطابهم، وكانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفةِ معناه، وبأنَّهم لا يبينُ لهم وجهُ الإعجازِ فيه، لأنَّه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغيرِ ذلك من الأمورِ، وأنَّه إذا تحدَّاهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزُوا عنه وجبتِ الحجةُ عليهم بهِ» [1] ، ثم (( كيف يزعمُ زاعمٌ أنَّها واردةٌ في معانٍ غيرِ معروفةٍ، مع ثبوتِ تلقي السامعينَ لها بالتسليمِ، من مؤمنٍ ومعاندٍ، ولولا أنَّهم فهموا منها معنًى معروفًا دلتْ عليهِ القرائنُ لسألَ السائلونَ وتورَّكَ المعاندونَ. قال القاضي أبوبكرٍ بنُ العربيِّ: لولا أنَّ العربَ كانوا يعرفون لها مدلولًا بينهم لكانوا أوَّلَ من أنكر ذلك على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، بل تلا عليهم:(حم، فصلت، وص) وغيرَها فلم ينكروا ذلك مع تشوفِهم إلى عثرةٍ وحرصِهم على زلةٍ، قلتُ: وقد سألوا عن أوضحِ من هذا، فقالوا: { وما الرحمنُ } [2] ) [3] ، ومما يرد به على هؤلاء أيضا أن اللغة (الهيروغليفية) تختلف في صورة حروفها عن صورة الأحرف الهجائية العربية، فعلى سبيل المثال: الهيروغليفية هي صور ورسوم ترمز إلى جمل، وهذه الأحرف المقطعة ليست رسومًا ولا صورًا بل هي أحرف هجاء.
ب- اختلاف المفسرين في إمكانية تأويل هذه الأحرف:
وقف المفسرون أمام إمكانية تأويل هذه الأحرف موقفين [4] :
(1) إعجاز القرآن، للباقلاني ( 61 ) .
(2) الفرقان: 60.
(3) تفسير التحرير والتنوير ( م1/ج2/ص210 ) .
(4) ينظر: الإتقان في علوم القرآن ( 3/9 ) .