-دخول كاف الخطاب في أفعال مضارعة: وهذه الأفعال تختلف عن الأفعال الماضية في الدلالة على الوقت الحاضر للخطاب، إذ الأفعال السابقة كان الزمن فيها قد مضى وانقضى، ولكن الأفعال المضارعة لا يزال الزمان جاريًا فيها ولم ينقضِ، مثل الفعل (يسأل) في قوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للّهِ } [الأنفال: 1] ، وغيرها من الآيات التي جاء فيها ذكر السؤال على ما مرَّ الحديث عنها [1] ، وهذه الأفعال المضارعة منها ما جاء بصيغة الإثبات، كما في قوله تعالى: { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ } [البقرة: 137] ، إذ هذه الكفاية إما بقتلهم بالسيف، وإما بجلائهم عن الجوار، وقد فعل الله بهم ذلك عاجلًا وأنجز وَعْده، فكفى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا [2] ، وجاءت هذه الصيغة في قوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال: 30] ، ففي هذه الآية أخبر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن مشركي قريش يريدون جعله ثابتًا (يثبتوك) في مكانه وهو أعم من أن يكون بالربط أو الحبس أو الإثخان بالجراح حتى لا يقدر على الحركة [3] ، وكذلك الحال في القتل والإخراج، وصيغ تلك الأفعال جاءت مستقبلة بالنسبة لفعل المكر لأن غاية مكرهم تحصيل واحد من هذه الأفعال [4] ، فالآية أشارت إلى تردد قريش في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - .
(1) ينظر صفحة (42) وما بعدها من هذا البحث.
(2) ينظر: تفسير الطبري (3/116) .
(3) ينظر: روح المعاني (م6/ج9/285) وما بعدها.
(4) ينظر: التحرير والتنوير (م5/ج9/327) .