عزة ومنعة لا يبالى معها بأحدٍ يتعرض لهم، أو يطمع في معازتهم وليس ذلك في قولك: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم) " [1] ، ومعنى قوله - سبحانه وتعالى:"
{فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} أي أتاهم أمر الله تعالى وقدره المقدور لهم من حيث لم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب الأشراف غيلةً على يد أخيه من الرضاعة محمد بن مسلمة، ممّا أضعف قوتهم وفل شوكتهم وسلب من قلوبهم الأمن والطمأنينة [2] ، مما جعلهم ينزلون عند شروط المسلمين في تخريب بيوتهم والجلاء عنها.
وقوله - سبحانه وتعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} جملة تحتمل أن تكون تفسيرًا [3] لمضمون كلمة الرعب من قوله - سبحانه وتعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} فهي قد كشفت لنا عن حجم الخوف والفزع الذي اعترى بني النضير إلى حد أنهم عمدوا إلى بيوتهم تخريبًا وهدمًا وما ذاك إلاّ اضطراب في الرأي والفكر أحدثه ذلك الرعب المقذوف في قلوبهم.
وتحتمل أن تكون في محل نصب حال [4] من الضمير (هم) من قوله - سبحانه وتعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ} ، وعليه تكون هذه الجملة مبينة لحال بني النضير بعد أن قذف الله الرعب في قلوبهم، وليست مفسرة لمضمون الرعب.
والذي يبدو للباحث أن هذه الجملة أدت وظيفة جملتين في سياق واحد، فهي فضلًا عن ترجمتها لمعنى الرعب المقذوف في قلوب بني النضير وايضاحها لحقيقته كشفت لنا عن حالهم بعد اصابتهم بهذا الرعب، إذ إنه مقيد في هذا السياق بكونهم مخربين لبيوتهم.
ولعل السبب الذي دعاهم إلى هذا التخريب هو حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة لكي لا يتمكن المسلمون من اقتحامها عليهم [5] ، والسبب الذي دعا المؤمنين إلى تخريبها من خارج الأسوار هو إزالة متحصنهم لكي يتسع لها مجال الحرب
(1) الكشاف 4/ 79.
(2) ينظر: ارشاد العقل السليم 6/ 224.
(3) ينظر: التبيان 2/ 1215، وأنوار التنزيل 5/ 316، وارشاد العقل السليم 6/ 225.
(4) م. ن.
(5) ينظر: الكشاف 4/ 79.