وفي صبيحة يوم الجمعة الرابع عشر منه، أطل علي بعض تلامذته من نافذة حجرته، فناوله آخر ملزمة من الجزء السادس من شرحه لسنن الإمام أبي داود ( المنهل العذب المورود ) كان يصححها لترسل إلي مطبعة الاستقامة. ولما حان وقت صلاة الجمعة، أخذ القوم يلتفتون يمنه ويسرة، علهم يحظون بطلوع الشيخ عليهم متقدما إلي الصف الأول، يستمع إلي الخطيب، ويؤدى صلاة الجمعة ويعظهم بعدها كعادته. فما حظوا، وارتد البصر منهم وهو كليل ! ! وما حسبوا أن فقدانهم الشيخ هذه الساعات، يكون فقدانا لا رجعة بعده، ولا لقاء إلا يوم اللقاء ! !
-ساعة الوداع:
وفي منتصف الساعة الثانية بعد ظهر ( الجمعة 14 من ربيع الأول سنة 1352 هـ ) ، (7 من يوليه سنة 1933 لفظ الشيخ آخر نفس من أنفاسه الطاهرة، وجاد بروحه العظيمة الوثابة المتفانية في نصرة الدين والسنة المطهرة، ولا يبتغي شهرة ولا أثرة [1] وكان النبأ مروعا، وكنت الفاجعة أليمة، والكارثة عظما والخسارة غير هينة وليست علي مسلمي مصر فحسب، بل علي مسلمي الشعوب التي عرفت مكانته، وانطوت قلوبهم علي محبته، وعلي العمل بما كان يدعوا إليه من خير العمل. وكم كانت دهشة الناس وحيرتهم من هذا النبأ المزعج إذ فقدوا غمامهم ومحط آمالهم، من كانوا إليه يهرعون. وبدعوتهم إلي العمل بالدين الحق يسارعون. وكم كانت آلامهم التي تفتت الأكباد، وتصدع الأفئدة، وتحز حنايا [2] الضلوع، حينما وثقوا أن الشيخ ينتزع من بينهم انتزاعا إلي مقره الأخير، إلي روضته الندية إلي جدثه مهبط الرحمة والرضوان، بعد أن صلى عليه أكبر أنجاله الكرام الأستاذ السيد أمين، يؤم الجم الغفير ممن وصل إليه النبأ من سكان القاهرة، وهم قل من كثر من تلامذته ومحبيه المنتشرين في القاهرة وضواحيها وبلدان القطر وغيره من الأقطار العربية.
(1) الأثرة) بفتحتين. اسم من استأثر بالشئ استبد به.
(2) تحز) أي تقطع الضلوع الشبية بالحنايا جمع حذية كفنية وهي القوس.