يأمر الله في كتابه والنبي في حديثه بالإحسان لأهل الجزية وحسن معاملتهم، وتحرم الشريعة أشد التحريم ظلمهم والبغي عليهم، فقد حثّ القرآن على البر والقسط بأهل الكتاب المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [1] ، والبر أعلى أنواع المعاملة، فقد أمر الله به في باب التعامل مع الوالدين، وهو الذي وضحه رسول الله - في حديث آخر بقوله: (( البر حسن الخلق ) ) [2] .
ويقول صلى الله عليه وسلم في التحذير من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم: (( من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ) ) [3] ، ويقول: (( من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا ) ). [4]
وحين أساء بعض المسلمين معاملة أهل الجزية كان موقف العلماء العارفين صارمًا، فقد مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) ). قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخُلوا. [5]
وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله: {وهم صاغرون} ، فهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب البر والعدل، وحرمة الظلم والعنت، وهو ما فهمه علماء الإسلام، ففسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام، أي العامة منها، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة.
وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين، فقال:"أن يكونوا قيامًا، والآخذ لها جلوسًا"، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه، لا بفضله عليهم، يقول القرطبي في تفسيره:"فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى، ويد الآخذ عليا". [6]
(1) الممتحنة (8) .
(2) رواه مسلم برقم (2553) .
(3) رواه أبو داود في سننه ح (3052) في (3/ 170) ، وصححه الألباني ح (2626) ، و نحوه في سنن النسائي ح (2749) في (8/ 25) .
(4) رواه البخاري ح (2295) .
(5) رواه مسلم ح (2613)
(6) الجامع لأحكام القرآن (8/ 115) ، وتفسير الماوردي (2/ 351 - 352) .