الصفحة 318 من 342

وأما نجم الدين الكبري فيذكر العشق نقلًا عن الجنيد أنه سئل عن العشق , فقال:"لا أدري ما هو , ولكن رأيت رجلًا أعمى عشق صبيًا , وكان الصبي لا ينقاد له , فقال الأعمى: يا حبيبي , أيش تريد مني؟"

قال الصبي: روحك , ففارق روحه في الحال" [1] ."

ثم يقول:

"وقد يفنى العاشق في العشق , فيكون العاشق هو العشق , ثم يفنى العشق في المعشوق , عشقت جارية بقرية على ساحل نيل مصر , فبقيت أيامًا لا آكل ولا أشرب إلا ما شاء الله , حتى كثرت نار العشق فكنت أتنفّس نيرانًا , فتتلقى الناران ما بيني وبين السماء , فما كنت أدري من ثمة أين تلتحقان. فعملت أن ذلك شاهدي في السماء" [2] .

فهكذا أعتقد الصوفية أن الله يتجلّى في الصور الجميلة من النساء والصبيان , فالعشق بهنَّ هو العشق بذات الله تعالى , وعلى ذلك لا يستحيون من ذكر وقائعهم التي مضت بهم من العشق بالجواري والصبيان.

فهذا هو الحب الذي قالوا عنه:

"الحب حج ثان" [3] .

ونقلوا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال:

"لو ولّيت حساب الخلق يوم القيامة لم أعذب أحدًا من العشاق لأنهم لا اختيار لهم في عشقهم" [4] .

وأخيرًا نذكر من ابن الفارض أبياته الخليعة المشهورة حيث ينشد:

ففي النشأة الأولى تراءت (أي الذات الإلهية) لآدم

ففي مرة لبني وأخرى بثينة

بمظهر حواء قبل حكم الأمومة

وآوانه تدعي بعزة عزت

وتظهر للعشاق في كل مظهر

ولَلسْنَ سواها , لا وَلا كُّنَّ غيرها

من اللبس في أشكال بديعة

وما إن لها في حسنها من شريكة [5] .

(1) فوائح الجمال وفواتح الجلال لنجم الدين الكبرى ص 37 , 38 ط ألمانيا بتحقيق المستشرق فريتز مائر.

(2) أيضًا ص 39.

(3) أنظر روضة التعريف بالحب الشريف للوزير لسان الدين ط دار الفكر العربي.

(4) أيضًا ص 415.

(5) مصرع التصوف ص 101 ط دار الكتب العلمية بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت