راهب , فلما دخلوا أشرف الراهب على أصحابه , وناداهم:"أطعموا رهبان المسلمين! , فإن بهم قلة صبر على الجوع"فغضب من ذلك , ورفع رأسه إليه , وقال:"أيها الراهب هل لك إلى خصلة نتبين بها الصابر والجازع؟", قال:"وما ذاك؟"قال:"تنزل من صومعتك , فتتناول من الطعام ما أحببت , ثم تدخل معي بيتا , ونغلق علينا الباب , ويُدَلّى لنا من الماء قدر ما نتطهر به , فأول من يظهر جزعه , ويستغيث من جوعه , ويستفتح الباب , يدخل في دين صاحبه كائنا من كان , على أنني منذ ثلاث لم أذق ذواقا". قال الراهب:"لك ذلك". فنزل من صومعته , وأكل ما أحب وشرب , ثم دخل مع أبي بكر بيتا , وغُلِّق الباب عليهما , والصوفية والرهبان يرصدونهما , لا يسمع لهما حس أربعين يوما. فلما كان في اليوم الحادي والأربعين سمعوا حسحسة الباب , وقد تعلق أحد به , ففتحوا , فإذا الراهب قد تلف جوعا وعطشا , وإذا هو يستغيث بهم إشارة , فأسقوه , وأتخذوا له حريرة , فصبوها في حلقه , والفرغاني ينظر إليهم [1] .
وروى أحدهم عن أبي محمد الباثغري أنه مضى عليه ثمانون يوما لم يطعم فيها شيئًا [2] .
وذكر أصحاب الطبقات الصوفية عن أحد المتصوفة في الهند شاه ميان جي بيغ أنه كان يعتكف من غرة رجب إلى العاشور من محرم مغلقا عليه أبواب الحجرة , وكان يمكث فيها ستة أشهر بلا ماء ولا طعام , وقد مات سنة 889هـ [3] .
ونقلوا مثل ذلك عن شاه كمال البغدادي الهندي المتوفى سنة 921 هـ [4] .
وحكى ابن الملقن عن مفرج الدماميني أنه لما أشترى - وكان عبدا - مكث ستة أشهر لا يأكل ولا يشرب [5] .
فاستقلوا هذه المدة أيضا فنقلوا عن البسطامي أنه قال:
(1) طبقات الأولياء لأبن الملقن المتوفي 804 هـ ص 303 , 304 ط مكتبة الخانجي القاهرة.
(2) كشف المحجوب ص 568.
(3) انظر تذكرة أولياء بر صغير للميرزه محمد أختر الدهلوي أردو ج2 ص 42 ط لاهور باكستان.
(4) أنظر تذكرة أولياء باك وهند للدكتور ظهور الحسن شارب ص 220 ط لاهور باكستان.
(5) طبقات الأولياء لأبن الملقن ص 472.