ولكن المسألة فِي رمضان تختلف، فهما يمنعانه من الطّعام والشّراب خلال النّهار إِلَى غروب شمسه وهما بالأمس يعتريهما الغضب والاستنكار لعدم إقباله عَلَى الطّعام والشّراب، وَلاَ بدّ من مبرر لذلك فيسمع منهما لفظ الجلالة بكل خوف وخشوع: الله أمرنا بذلك، ويرى مكان ذَلِكَ الغضب تودد ولعب وحمس حتّى يشعر الطّفل بقرب والديه مِنْهُ أكثر من كلّ وقت، فيستشعر الولد بتلك القوّة الَّتِي هِيَ أقوى من الآباء والأمّهات، فيشعر أَنْ أبطال الأمس أصبحوا أصدقاء اليوم، فيهم الرّقة والعذوبة، ثُمَّ تتجلّى لَهُ أسمى صور الاتحاد بَيْنَ الآباء والأمّهات فِي كلمة واحدة وَهِيَ أمره بالصّيام طاعة للرحمن عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ الأمّهات تخالف رأي الآباء، وترى اجتهادهم فِي الأوامر الَّتِي يطلقونها خطأ، ويستنكر الآباء قرار الأمّهات فيقومون بكسره لأنّهم لاَ يروا فِيهِ قوام التربية إِلاَّ فِي هَذَا الشهر الكريم الَّذِي تتحد فِيهِ الكلمة عَلَى عبادة رب العالمين من الطرفين، ويستشعر بتلك الفطرة الربّانية القيمة الحقيقية الَّتِي وصل إِلَيْهَا مَعَ والديه لتكون تِلْكَ الكلمة لفظ الجلالة"الله"وبيان رسالتي رسوله صلى الله عليه وسلم أوّل مَا يشاهد فِيهِ الأطفال ضعف السلطة الأبويّة والاتّحاد فِي التربية فيعلم أنّ الله فَوْقَ الجميع. والله المستعان.
كلّية الرحمة
لقد وصف الله عَزَّ وَجَلَّ حال النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة رضوان الله عليهم، وتلك البيّنة الاجتماعيّة الَّتِي تضمّهم فقال عَزَّ وَجَلَّ (( محمد رَسُول الله والذين معه أشدّاء عَلَى الكفّار رحماء بينهم تراهم ركّعًا سجّدًا يبتغون فضلًا من اللهِ ورضوانًا ) ) [الفتح: 29] ، وَإِذَا كَانَ استشعار الأفراد فيما بينهم بالرّحمة يبعث عَلَى الأمل والحب، فكيف إن كَانَتْ هَذِهِ الرحمة من الله عَزَّ وَجَلَّ؟ ويتجسّد ذَلِكَ عمليًّا فِي هَذَا الشهر العظيم.