لا تعارض بين الأصالة الحقة والمعاصرة الحقة ، إذا فهمت كل واحدة منهما على حقيقتها . إذ نستطيع أن نكون معاصرين إلى أعلى مستويات المعاصرة ، وأن نبقى كذلك أصلاء حتى النخاع . إنما تتعارض الأصالة والمعاصرة ، إذا فهمت الأصالة على أنها الاحتباس الاختياري في سجن الماضي ، والمعاصرة على أنها الدوران في رحى الغرب . لذا يجب أن نرفض اتجاهين متطرفين: الاتجاه الأول الذي ينتهي بالأصالة إلى الجمود والتحجر ، والاتجاه الثاني الذي ينحو بالمعاصرة نحو الفناء في الغرب ، واتّباع سننه"شبرًا بشبر ، وذراعًا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه"، ولا يكتفي بأخذ العلم والتكنولوجيا وحسن الإدارة والتنظيم فيه ، واقتباس كل ما تنهض به الحياة ، بل هو يصرُ على نقل الأنموذج الغربي إلينا بكل عناصره ومقوماته ، ولاسيما جذوره الفلسفية ، ومفاهيمه الفكرية ، ومجالاته الأدبية ، وتقاليده الاجتماعية ، وقوانينه التشريعية ، ومؤثراته الثقافية .