وكما ثبتت الفئة الصابرة تحت إمرة طالوت الذين قال الله فيهم: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) البقرة:250، وفي ذلك توجيه للمؤمن أن يلتجئ إلى الله طالبًا منه التثبيت، وخوطب أبناء هذه الأمة بأمر الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) الأنفال:45، يقول سيد قطب في ظلاله:"فأمّا الثبات فهو بدأ الطريق إلى النّصر فأثبت الفريقين أغلبهما، وما يدري الذي آمنوا أنّ عدوهم يعاني أشدّ مما يعانون، وأنّه يألم كما يألمون، ولكنه لا يرجو من الله ما يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبّت أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى الحسنيين: إما الشهادة وإما النصر؟ بينما عدوهم لا يريد إلاّ الحياة الدنيا، وهو حريص على هذه الحياة التي لا أمل له وراءها، ولا حياة له بعدها، ولا حياة له سواها!؟". (1)
واعلم أخي المسلم أنّ الكبائر في ديننا الفرار من الزحف، ولذلك كان من الوصايا التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل:"وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس، وإذا أصاب الناس موتان، وأنت فيهم فاثبت". (2) لأنّ الثبات يزيد المؤمنين قوة، ويوقع في نفوس العدو خوفًا ورهبة وتزعزع المواقف التي يخذل الصديق ويشمت العدو، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمّق هذا المعنى يوم الأحزاب، وهو ينقل التراب، وقد وارى التراب بطنه، وهو يقول:"لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزل السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إنّ الأعداء قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا" (3)
(1) - في ظلال القرآن ج/1515.
(2) -رواه أحمد 22128 ، 5/238،
(3) - رواه البخاري2680، 3/1043،2870، 3/1103 باب حفر الخندق. باب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر الخندق.