الصفحة 63 من 106

لقد لفت النبي الكريم، في الحديث الأول، انتباه المخاطبين وشدهم إلى التساؤل.

فخلق عندهم التشويق، من خلال تأكيده بالقسم (والله لا يؤمن) ثم أكدها مرة أخرى بتكرارها ثلاث مراتٍ، ومن هذا تشوقت النفوس للسؤال، وتهيأت الأذهان لاستقبال الجواب. ألا وهو إيذاء الجار، والمعنى: والله لا يؤمن إيمانًا كاملًا من يؤذي جاره بالقول أو الفعل [1] . فاستطاع النبي الكريم أن يحقق هدفه المرجو الذي كان يسعى إليه من خلال هذا التكرار، ألا وهو الترهيب من إيذاء الجار. و"القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده" [2] . فكأن في تكرير قسمه - صلى الله عليه وسلم - دلالة على شدة تأكيد حق الجار [3] .

أما في الحديث الثاني، فقد صدر النبي الكريم كلامه بجملة (هم الأخسرون ورب الكعبة) مرتين، مما جعل السامع في تشوق إلى معرفة هؤلاء الخاسرين فهذا الأسلوب. يشعر المتلقي باللذة والنشوة في متابعة الكلام، والارتباط به روحيًا وذهنيًا [4] .

فتكرير هذه الجملة وتكرير القسم فيها أثار السامع إلى معرفة سر تلك الفئة من الناس، فتوصل النبي الكريم إلى مقصده الذي كان يسعى من أجله، فجاء هذا التكرار لتأكيد الخسران عند عدم إعطاء حق هذه الأموال.

ومما خرج إليه التوكيد اللفظي بالجملة الاسمية في الحديث الشريف، إلى غرض الترهيب. قوله - صلى الله عليه وسلم - لصحابته:"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور ألا وقول الزور وشهادة الزور ... ." [5] .

استطاع النبي الكريم، في هذا الحديث، تهيئة الأذهان لمعرفة تلك المعلومة التي تعد من أكبر الكبائر، ولما كانت هذه الكبائر مقررة بالكتاب العزيز ومقررة بالسنة المطهرة في وصاياه اكتفى بذكر العطف بينهما ـ الإشراك بالله وعقوق الوالدين ـ ولكن هذه ليست كل المقصود لظهورها وإنما جعلت كالتمهيد لما يأتي، ألا وهو قول الزور، فيصور هذا التعبير (كان متكئًا فجلس) مدى ما صعد إليه اهتمام النبي الكريم حيث يصور هذا الانتقال المفاجئ من حال الاتكاء إلى حال الجلوس، لا ليكون ترويحًا من وضعه الأول، ولكن ليكون نذيرًا بأن شيئًا

(1) فتح الباري: 13/ 51؛ ينظر، عمدة القاري: 22/ 109.

(2) الإتقان في علوم القرآن: 2/ 133.

(3) إرشاد الساري: 9/ 25.

(4) إشكالية التلقي عند حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء: 492.

(5) صحيح البخاري: 4/ 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت