وجاء الفعل (كذبتم) ماضيًا في المتوالية الأولى ليدل على (حدث وقع في الزمن الماضي، وانجز واستمر على حاله هذه حتى زمن التكلم عنه) [1] ، فجاء الفعل ماضيًا ليؤكد وقوع الحدث منهم وهو التكذيب وليدل على تجدده فيهم، (وانما قال: تقتلون، وان كان الوجه قتلتم لتطابق كذبتم) [2] ، (لاجل استحضار الحالة الفظيعة وهي حال قتلهم رسلهم) [3] ، أو (لان المراد وفريقًا تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا اني اعصمه منكم) [4] ، أو لاجل مراعاة الفواصل، فان فواصل الآيات كرؤوس الأبيات، فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم [5] .
5 ـ (( الجملة الاسمية، الجملة الفعلية ) )
ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95] اذ وقع التوازي التركيبي في هذه الاية في قوله تعالى:
ان الله فالق الحب والنوى
يخرج الحي من الميت
ومخرج الميت من الحي
بني التوازي على المخالفة، إذ أن المتواليات تضطرب لصالح خلق المغايرة فيها ولو تأملنا هذا النسق وجدنا ان المتوالية الأولى اعتمدت الأساس التركيبي:
// = اسم مرفوع + اسم مجرور + (و) + اسم مجرور
أما المتوالية الثانية فكان الأساس التركيبي لها:
أما المتوالية الثالثة فكان الأساس التركيبي لها:
(فاستعمل الفعل مع الحي فقال(يخرج) واستعمل الاسم مع الميت فقال (مخرج) وذلك لان ابرز صفات الحي الحركة والتجدد فجاء معه بالصيغة الفعلية الدالة على الحركة والتجدد، ولان الميت في حالة همود وسكون وثبات جاء معه بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات) [6] .
إلا أن المغايرة في هذه المتواليات جاءت في بداية المتوالية فقط فالمغايرة جاءت في استعمال الاسم وفي استعمال الفعل.
فعل
اسم + من + اسم
اسم
و (كان الأصل في(يخرج الحي من الميت) وروده بصيغة اسم الفاعل اسوة امثاله من الصفات المذكورة في هذه الآية من قوله: (فالق الحب) ، و (فالق الاصباح وجاعل الليل) ، (ومخرج الحي من الميت) إلا انه عدل عن الاسم إلى الفعل المضارع في هذا الوصف وحده وهو قوله: (يخرج الحي من الميت) إرادة لتصوير إخراج الحي من الميت واستحضاره في ذهن السامع، وهذا التصوير والاستحضار إنما يتمكن في ادائهما الفعل دون اسم الفاعل والماضي) [7] .
ومع هذه المغايرة والمخالفة فلا يخلو الفعل المضارع من التماثل مع الاسم، فالفعل جاء فعلًا مضارعًا وعلامة الرفع كانت الضمة، والاسم جاء فاعلًا مرفوعًا وعلامة الرفع كانت الضمة، والفعل المضارع يكون شائعاُ فيختص كما ان الاسم يكون شائعا فيختص [8] ، و (الفعل المضارع تدخل عليه لام الابتداء كما تدخل على الاسم ولا يجوز ان تدخل هذه اللام على الفعل الماضي ولا
(1) الدلالة الزمنية في الجملة العربية، د. علي جابر المنصوري، طبع بمطبعة الجامعة ببغداد، ط 1، 1984م: 56.
(2) البيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 106
(3) تفسير التحرير والتنوير: 1/ 598
(4) تفسير النسفي: 1/ 107
(5) ينظر: البيان في غريب إعراب القرآن: 1/ 106
(6) التعبير القرآني: 24 ـ 25.
(7) تفسير الكشاف: 338.
(8) (ألا ترى انك تقول:(يذهب) فيصلح للحال والاستقبال، فإذا قلت: (سوف يذهب) اختص بالاستقبال، فاختص بعد شيوعه، كما ان الاسم يختص بعد شياعه، كما تقول: (رجل) فيصلح لجميع الرجال، فإذا قلت: (الرجل) اختص بعد شياعه، فلما اختص هذا الفعل بعد شياعه كما ان الاسم يختص بعد شياعه فقد شابهه في هذا الوجه)، الإنصاف في مسائل الخلاف بين التحويين: البصريين، والكوفيين، لكمال الدين أبي البركات الانباري، ومعه كتاب (الانتصاف من الإنصاف) ، محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر