الصفحة 23 من 153

على تمييزه وتحديده، كما يمد العنصر الدلالي العنصر النحوي كذلك بعدد من الجوانب التي تساعد على تحديده وتمييزه، فبين الجانبين اخذ وعطاء وتبادل تأثيري مستمر [1] ، فالقصد معرفة ولكن ما تحدثه قواعد النحو وما سيتبعه من معنى وما يتولد عن النظم من مدلول، إذ ان الغرض ليس بنظم الكلم ان توالت ألفاظها في النطق، بل ان تناسقت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقل [2] .

ومن الأنساق التي تسهم في انتظام النص، نسق التوازي وله أهمية كبيرة (لانه عنصر تأسيسي وتنظيمي في آن واحد) [3] ، والذي يتجلى في نسق من التناسبات المستمرة على مستويات متعددة: في مستوى تنظيم البنى التركيبية وترتيبها، وفي مستوى تنظيم الأشكال والمقولات النحوية وترتيبها، وفي مستوى تنظيم الترادفات المعجمية وتطابقات المعجم التامة وترتيبها، وفي مستوى تنظيم تأليفات الأصوات والهياكل التطريزية وترتيبها، وهذا النسق يكسب الأبيات المترابطة بوساطة التوازي انسجامًا واضحًا وتنوعًا كبيرًا في الآن نفسه، إن القالب الكامل يكشف بوضوح تنوعات الأشكال والدلالات الصوتية والنحوية والمعجمية [4] .

والموازاة موجودة في الشعر وفي النثر، إلا أن هنالك فرقًا هرميًا واضحًا بين موازاة الشعر وموازاة النثر، ففي الشعر يكون الوزن بالضبط هو الذي يفرض بنية التوازي، وتحدد البنية العروضية عمومًا والوحدة الموسيقية وتكرار البيت ومكوناته الوزنية، تحدد جميعها التوزيع المتوازي لعناصر النحو والدلالة اللفظية، وينظم الصوت بالضرورة المعنى، ويحظى هنا بالأسبقية على الدلالة، وعلى العكس من ذلك، نجد في النثر أن الوحدات الدلالية والمعنوية هي التي تنظم بالأساس البنيات المتوازية، وفي هذه الحال يؤثر توازي الوحدات المترابطة في أساس المشابهة أو التباين أو المجاورة بشكل فعال على بناء الحبكة وعلى تخصيص ذوات الفعل ومواضيعه، وعلى تتابع الموضوعات في النثر [5] ، فـ (يشكل مبدأ التشابه قاعدة للشعر، يثير التوازي الإيقاعي فيه للأبيات، والتكافؤ الصوتي للكلمات المقفاة قضية التشابه الدلالي والتباين، أما النثر فهو بخلاف

(1) ينظر: النحو والدلالة، مدخل إلى دراسة المعنى النحوي الدلالي، محمد حماسة عبد اللطيف، ط1،1983م: 113.

(2) ينظر: علم الدلالة: 45.

(3) التلقي والتأويل مقاربة نسقية، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، ط1، 1994: 149.

(4) ينظر: قضايا الشعرية، رومان ياكوبسون، ترجمة: محمد الولي، و مبارك حنون، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ـ المغرب، ط1، 1988م: 106.

(5) ينظر: أفكار وآراء حول اللسانيات والأدب، رومان ياكوبسون، ترجمة: فالح صدام الامارة، و د. عبدالجبار محمد علي، مراجعة: د. مرتضى باقر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ـ العراق، ط1، 1990م: 108 ـ 109، وينظر قضايا الشعرية: 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت