هذا ما يحدث في التنغيم، فهو حَكَم في دلالات التراكيب والجمل، إذْ يغيّر الجملة من تركيب إلى آخر ومن باب إلى باب... وبذلك يتمايز عن (النبر) ، حيث"يعمل التنغيم على مستوى الجملة وليس على مستوى الكلمة، في حين يكون النبر على الكلمة وحدها ويدل على حدودها."
وهكذا فإن المتتبع لكلام الناس، يلحظ التنغيم ظاهرًا في كلامهم؛ فحديث التواصل بينهم وخطابهم بعضهم بعضًا، يكون التنغيم فيه أوسع من الكلام المكتوب.
وهذه بعض الأمثلة يكون فيها هذا النغم الموسيقي ذا دلالة في الكلام:
*قال تعالى: { قالوا: فما جزاؤُه إنْ كنتم كاذبين؟ قالوا: جزاؤُه؟ مَنْ وُجِد في رَحْله فهو جزاؤه } .
(يوسف: 74، 75)
هذه الآية يكون التنغيم في جزئها الثاني محورًا رئيسًا في تحديد الأبواب والتراكيب؛ فالجزء الثاني تُقرأ فيه جملة"قالوا: جزاؤه؟"بنغمة الاستفهام، وجملة:"من وُجد في رحله فهو جزاؤه"جملة واحدة على التقرير، وتقرأ أيضًا على التعجب والاستهجان:"قالوا: جزاؤه! من وجد في رحله فهو جزاؤه"، ويمكن أن تُقرأ على التبرّم والانزعاج، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الحديث والكلام المنطوق أكثر من الكلام المكتوب الذي يحدد التنغيمَ فيه الترقيمُ.
*قال الشاعر عمر بن أبي ربيعة عند سؤاله عن محبته لمحبوبته:
قالوا: تحبّها. قلت: بَهرًا
عدد النجم والحصى والترابِ
فجملة (تحبها) يمكن أن تقرأ على غير وجه، فهي تكون للاستفهام وهو أقواها، وتكون للتقرير وهو ضعيف:
قالوا: تحبها؟ قلت: بهرًا… (على الأول)
قالوا: تحبها. قلت: بهرًا… (على الثاني)
ويحتمل أن تكون للاستغراب والتعجب، قالوا: تحبها! قلت: بهرًا، وهو أضعف الاحتمالات.