الصفحة 16 من 21

وبيان ذلك أنّ معظمَ هذه الألفاظِ المترادفةِ إنَّما هي كناياتٌ شاعَ استعمالُها على الألسنِ حتى أصبحتْ حقائقَ ، ومَرَدُّ ذلك أنَّ معظمَ هذه الألفاظِ ممّا يتحرجُ الناسُ من التعبير عنها بأسمائها الصريحة مراعاةً للآداب الاجتماعيةِ والاعتباراتِ الأخلاقية والنفسيةِ ، ولهذا تلجأ الجماعةُ اللغويةَ إلى الكنايةِ بلفظٍ مرادفٍ، ومما يعزز ذلك ما حكاه أبوحيان التوحيديِّ عن ابن فارسٍ ، حيث قال: ( حدثني ابنُ فارس: جرى بين يديه أسماءُ الفرْج وكثرتُها ، فقال بعضُ الحاضرين: ماذا أرادتِ العربُ بتكثيرها مع قبحها ؟ فقال: لما رأوا الشيءَ قبيحًا جعلوا يكنون عنه ، وكانت الكنايةُ عند فشوها تصيرُ إلى حد الاسمِ الأولِ فينتقلون إلى كنايةٍ أخرى ... وعلى هذا كثرت الكناياتُ وليس غرضُهُمْ تكثيرُهَا) ( مثالب الوزيرين الصاحب بن عباد وابن العميد ص254) .

ولا يقتصر الأمرُ على الألفاظِ التى يتحرجُ الناسُ عن التعبير عنها بألفاظها الصريحةِ - كالألفاظِ الدالةِ على النكاحِ أو الألفاظِ الدَّالةِ على الخوفِ كلفظ الداهية، بل يتجاوَزُهُ إلى الألفاظِ ذاتِ القدسيةِ في حياة المجتمعِ كلفظِ الحبِّ ، وكلِّ ما عَلِق بالقلبِ ، يقول ابنُ قيمِ الجوزيةِ: ( بابُ أسماءِ المحبةِ: لما كان إلفُهُمْ لهذا المسمى أشدَّ وهوَ بقلوبهم أَعْلَقَ كانت أسماؤه لديهم أكثر . وهذا عادتُهم في كلِّ ما اشتدَّ إلْفُهُمْ له أو كَثُرَ خُطُورُه على قلوبهم ، تعظيمًا له ، أو اهتماما به ، أو محبة له ، فالأول: كالأسدِ والسيفِ ، والثاني: كالداهيةِ ، والثالث: كالخمرِ ، وقد اجتمعت هذه المعانيِ الثلاثةُ في الحبِّ ، فوضعوا له قريبًا من ستين اسمًا، وهي: المحبَّةُ ، والعلاقةُ ، والهوى ، والصَبْوةُ ، والصبابةُ ، والشَّغَفُ ، والمِقَه والوَجْدُ، والكلفُ، والتتيّمُ ، والعشقُ ، والجوى ، والدَنَفُ ، والشجوُ ، والشوقُ ... الخ) ( روضة المحبين ص16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت