الصفحة 5 من 17

الثالث: التفسير بين المأثور والرأي.

وسيتخلّل هذه الموضوعات مسائل عِدّة؛ كشروط القول بالرأي، وأدلة جواز الرأي في التفسير، وصور الرأي المذموم .... إلخ، وإليك الآن تفصيل هذه الموضوعات:

أولًا: موقف السلف من القول في التفسير:

التفسير: بيان لمراد الله - سبحانه - بكلامه، ولما كان كذلك، فإن المتصدي للتفسير عرضة لأن يقول: معنى قول الله كذا.

ثم قد يكون الأمر بخلاف ما قال. ولذا قال مسروق بن الأجدع (ت: 63 هـ) : (اتقوا التفسير؛ فإنما هو الرواية عن الله - عز وجل) .

وقد اتخذ هذا العلم طابعًا خاصًا من حيث توقِّي بعض السلف وتحرجهم من القول في التفسير، حتى كان بعضهم إذا سئل عن الحلال والحرام أفتى، فإذا سئل عن آية من كتاب الله سكت كأن لم يسمع.

ومن هنا يمكن القول: إن السلف - من حيث التصدي للتفسير - فريقان: فريق تكلّم في التفسير واجتهد فيه رأيه، وفريق تورّع فقلّ أو نَدُرَ عنه القول في التفسير.

وممن تكلم في التفسير ونُقِلَ رأيه فيه عمر بن الخطاب (ت: 23 هـ) وعلي بن أبي طالب (ت:40 هـ) وابن مسعود (ت: 33 هـ) وابن عباس (ت: 67 هـ) وغيرهم من الصحابة.

ومن التابعين وأتباعهم: مجاهد بن جبر (ت: 103 هـ) وسعيد بن جبير (ت: 95 هـ) وعكرمة مولى ابن عباس (ت: 107 هـ) والحسن البصري (ت: 110 هـ) وقتادة (ت: 117 هـ) وأبو العالية (ت: 93 هـ) وزيد بن أسلم (ت: 136 هـ) وإبراهيم النخعي (ت: 96 هـ) ومحمد ابن كعب القرظي (ت: 117 هـ) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت: 182 هـ) وعبد الملك بن جريج (ت: 150 هـ) ومقاتل بن سليمان (ت: 150 هـ) ومقاتل بن حيان (ت: 150 هـ) وإسماعيل السدي (ت: 127 هـ) والضحاك بن مزاحم (ت: 105 هـ) ويحيى بن سلام (ت: 200 هـ) ، وغيرهم.

وأما من تورّع في التفسير فجمعٌ من التابعين (24) من أهل المدينة والكوفة.

أما أهل المدينة، فقال عنهم عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليغلظون القول في التفسير؛ منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع (25) .

وقال يزيد بن أبي يزيد: (كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام - وكان أعلم الناس - فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن سكت كأن لم يسمع) (26) .

وقال هشام بن عروة بن الزبير: (ما سمعت أبي يتأوّل آية من كتاب الله قطّ) (27) .

وأمّا أهل الكوفة فقد أسند إبراهيم النخعي إليهم قَولَه: (كان أصحابنا - يعني: علماء الكوفة - يتّقون التفسير ويهابونه) (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت