الْوَاهِي وَالْمُنْكَرِ وَالْمَوْضُوعِ مِنْ أَسَانِيدِ الأَثْبَاتِ وَالْمَعَاجِمِ وَالْمَشْيَخَاتِ، بِنَحْوِ مَا يُفْعَلُ بِرَوَايَاتِ أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَاتِ، كَالصِحَّاحِ وَالسُّنُنِ وَالْمَسَانِيدِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، إِذْ لَمْ يَكْتَفِى أَئِمَّةُ التَّحْقِيقِ بِالْوُثُوقِ بِإِمَامَةِ جَامِعِيهَا، وَلَمْ يَرْكَنُوا إِلَى جَلالَةِ وَفَخَامَةِ مُصَنِّفِيهَا، بَلْ دَقَّقُوا وَأَمْعَنُوا النَّظَرَ فِي الْمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتِ، وَبَيَّنُوا مُسْتَحَقَّ كُلٍّ مِنْهَا مِنَ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ، مَعَ التَّعْلِيلِ وَالإِبَانَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْبَحْثِ فِي الشَّوَاهِدِ وَالْمُتَابَعَاتِ، كَنَحْوِ فِعْلِ الإِمَامَيْنِ الشَّيْخَيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، حَتَّي خَلَصَتْ الصِّحَاحُ مِنَ الضِّعَافِ خُلُوصَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعَيْنِ، وَسَفَرَ وَجْهُ السُّنَّةِ مُشْرِقًَا وَضَّاحًَا، كَإِشْرَاقَةِ الشَّمْسِ عَلَى الْكَوْنِ إِذَا طَلَعَتْ صَبَاحًَا.
فَإِذَا كَانَ هَذَا صَنِيعُ الْمُحَقِّقِينَ، مَعَ مُصَنَّفَاتِ الأَمَاجِدِ السَّالِفِينَ، الْمُجْمَعِ عَلَى إِمَامَتِهِمْ وَجَلالَتِهِمْ، وَالْمَوْثُوقِ بِضَبْطِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ، فَكَيْفَ نَثِقُ بَعْدَ ذَا بِالأَثْبَاتِ وَالْمَشْيَخَاتِ، الْمَشْحُونَةِ بِأَسَانِيدِ الطُّرُقِ الْبَاعَلِوَيَّةِ وَالْقَادِرِيَّةِ وَالرِّفَاعِيَّةِ وَالْكَازَرُونِيَّةِ وَالسَّهْرَوَرْدِيَّةِ وَالشَّاذُلِيَّةِ وَالْمُرْسِيَّةِ وَالْعَرُوسِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّرُقِ الصُّوفِيَّةِ، أَمْ كَيْفَ نَعْتَمِدُ عَشَرَاتِ الْكُتُبِ فِي الْخِرْقَةِ الصُّوفِيَّةِ كَ «إِتْحَافِ الْفِرْقَةِ الْفَقْرِيَّةِ الْوَفِيَّةِ بِأَسَانِيدِ الْخِرْقَةِ الْقَادِرِيَّةِ» و «الْبَرْقَةِ الْمَشِيقَةِ فِي إِلْبَاسِ الْخِرْقَةِ الأَنِيقَةِ» وَ «الْبَرْقَةِ الْمُدْهِشَةِ فِي لُبْسِ الْخِرْقَةِ الْمُنْعِشَةِ» وَ «الطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ فِي إِلْبَاسِ الْخِرْقَةِ الْعَلِيَّةِ» ، وَمَا احْتَوَتْهُ مِنَ الْمَرَاسِمِ وَالأَحْوَالِ الْبِدْعِيَّةِ وَالشِّرْكِيَّةِ؟!.
وَقَالَ سَائِلٌ مِنْهُمْ مُتَيَقِّظٌ، وَمُتَأَدِّبٌ مُتَحَفِّظٌ: «يَا شَيْخَنَا، هَلْ يَجُوزُ قَبُولُ هَذِهِ الإِجَازَاتِ، وَالاحْتِجَاجُ بِهَذِهِ الأَثْبَاتِ وَالْمَشْيَخَاتِ، وَالْحَالُ كَمَا وَصَفْنَاهُ، وَمَا خَفِيَ عَلَيْنَا أَكْثَرُ مِمَّا عَرَفْنَاهُ؟!. يَا شَيْخَنَا، بَيِّنْ لَنَا، وَاشْفِ غَيْظَ قُلُوبِنَا، وَأَطَلْ فِي بَيَانِكَ، وَاذْكُرْ لَنَا الْمَصَادِرَ وَالْمَرَاجِعَ الَّتِي نَاقِشَتْ ذَلِكَ، وَكَشَفَتْ الْنِقَابَ عَنْ مَقَاصِدِهَا وَمَرَامِيهَا، وَزَيَّفَتْ دَلائِلَهَا وَقَوَّضَتْ مَبَانِيهَا» .
فَقُلْتُ: الآنَ، قَدْ وَجَبَ الْبَيَانُ، اسْتِجَابَةً لِقَوْلِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ «وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» . وَقَدْ سُئِل شَيْخُ الإِسْلامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُونَ السَّابِقُونَ، وَالإِخْوةَ ُالْمُتَيَقِّظُونَ الْمُتَحَفِّظُونَ. فَرَأيْتُ أَنْ أَنْقُلَهُ أوَّلًا، ثُمَّ أُعَقِّبُ عَلَيْهِ بِذِكْرِ نَقْدِ الأَسَانِيدِ وَالرِّوَايَاتِ وَالْكُتُبِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا ثَانِيًَا.
فَأَقُولُ بِاللهِ تَعَالَى مُسْتَعِينًَا، رَاضٍ بِهِ مُدَبِّرًَا مُعِينًَا:
سُئِل شَيْخُ الإِسْلامِ _ طَيَّبَ اللهُ ثَرَاهُ _: عَنْ جَمَاعَةٍ يَجْتَمِعُونَ فِي مَجْلِسٍ، وَيُلَبِّسُونَ لِشَخْصِ مِنْهُمْ لِبَاسَ «الْفُتُوَّةِ» ، وَيُدِيرُونَ بَيْنَهُمْ فِي مَجْلِسِهِمْ شَرْبَةً فِيهَا مِلْحٌ وَمَاءٌ، يَشْرَبُونَهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا مِنْ الدِّينِ، وَيَذْكُرُونَ فِي مَجْلِسِهِمْ أَلْفَالظًَا لا تَلِيقُ بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ.
فَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِبَاسَ الْفُتُوَّةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُلْبِسَهُ مَنْ شَاءَ، وَيَقُولُونَ: إنَّ اللِّبَاسَ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُنْدُوقٍ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى «يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًَا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ» الآيَةَ!!. فَهَلْ هُوَ كَمَا زَعَمُوا؟، أَمْ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ؟، وَهَلْ هُوَ مِنْ الدِّينِ أَمْ لا؟، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الدِّينِ فَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ يُعِينُ عَلَيْهِ؟.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَنْسِبُ ذَلِكَ إلَى الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ لِدِينِ اللهِ، إلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ؛ فَهَلْ لِذَلِكَ أَصْلٌ أَمْ لا؟، وَهَلْ الأَسْمَاءُ الَّتِي يُسَمَّوْنَ بِهَا بَعْضَهُمْ بَعْضًَا مِنْ اسْمِ الْفُتُوَّةِ وَرُءُوسِ الأَحْزَابِ وَالزُّعَمَاءِ، هَلْ لِهَذَا أَصْلٌ أَمْ لا؟.
وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ الْمَجْلِسَ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ «دَسْكَرَةً» ، وَيَقُومُ لِلْقَوْمِ نَقِيبٌ إلَى الشَّخْصِ الَّذِي يُلْبِسُونَهُ، فَيَنْزِعُهُ اللِّبَاسَ الَّذِي عَلَيْهِ بِيَدِهِ، وَيُلْبِسُهُ اللِّبَاسَ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ «لِبَاسُ الْفُتُوَّةِ» بِيَدِهِ، فَهَلْ هَذَا جَائِزٌ أَمْ لا؟، وَإِذَا قِيلَ: لا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ، وَلا الإِعَانَةُ عَلَيْهِ،