الصفحة 4 من 36

مقدمة

الحمد لله خلق الإنسان علَّمه البيان وأشهد أن لا الله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصلوات الله وسلامه عليه, وعلى آله الأطهار وصحبه الأخيار.

وبعد ...

فلما كان الإنسان في مختلف مراحل حياته, وفي شتى بقاع الأرض لا يستقيم له حال، ولا يستقر له بال إلا بإشباع رغبته وقضاء حاجته, وهو بلا شك لا يقوى على صنعة ذلك كله بمفرده فهو بحاجة إلى غيره، ولما كانت نفوس البشر متباينة متغايرة وفق أهواء ورغبات كل منها كان التجاهد والتذاكر بالحقوق واقعًا، والعدوان قائمًا، والظلم والاستبداد شائعًا منتشرا، ولمَّا كان القضاء هو السبيل إلى نصرة الضعيف وكبح جماح القوي, والأخذ على يديه, وإحقاق الحق, ولمَّا كان القاضي هو الذي تتسم على يديه إثبات الحقوق لأصحابها؛ إذ هو الدرع الواقي لهذه الحقوق والأداة الفعالة في تحقيق العدل.

طلب الشرع أن يتحلى بآداب متنوعة أثناء نظر الدعوى, وهذه الآداب كثيرة جدًّا، وبعضها واجبٌ يجب على القاضي الالتزام بها، وعدم الخروج عنها, وإلا كان آثمًا أمام الله تعالى, وتعرض للمسئولية في الدنيا؛ إما بعزله من القضاء, أو برد حكمه ونقضه, وبعضها مندوبات وسنن يحسن به التقيد بها؛ لضمان حسن سير الدعوى، وتحقيق العدالة, وتأمين حياد القاضي وتجرده منها, رأيت أن أعالج هذا الموضوع في هذه الدراسة, وهي «التسوية بين الخصوم في مجلس القضاء دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية, وما عليه العمل في قانون دولة الإمارات العربية المتحدة» .

أهمية الدراسة:

إنني اعتبر هذا المحور من أهم المحاور التي تتناول موضوع القضاء, وهو الجزء الخاص بالقاضي؛ لأن ميزان العدل يتوقف عليه, فإذا حرص القاضي على إتيان الآداب والواجبات والسنن الشرعية كان ادعى إلى الحياد والعدالة ما أمكن, وهذا كله في مصلحة الرعية, فطالما تحقق العدل بين الناس ساد الاستقرار والمحبة والأمن؛ لأن مراقبة الله تعالى والخوف منه لهو خير ضابط للإنسان يحفظه من الزيغ والانحراف غالبًا, وإذا كان الشرع قد اهتم بهذه الآداب والسنن والواجبات, فكذلك القانون المدني لدولة الإمارات لم يغفل عن هذا الجانب الذي يحقق العدالة والاستقرار للدولة.

منهج البحث:

أما عن منهج البحث فقد سلكت فيه طريقة موضوعية مقارنة؛ لأنني اعتمدت في أسلوب العرض والاستدلال على نصوص القرآن الكريم، ثم على سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحاولت ما وسعتني المحاولة تحقيق أسانيد الأحاديث وعزوها إلى أمهات كتب الحديث ثم استعرضت أقوال الصحابة والتابعين, والأئمة المجتهدين والفقهاء, وبدأت بالكلام عمّا اتفق عليه الفقهاء من الأحكام المقرونة بالأدلة والحجج, ثم انتقلت إلى دراسة الأحكام التي اختلفوا فيها عن طريق عرض أقوالهم وأدلتهم, وجانبًا من المناقشة التي دارت بينهم, ثم رجَّحت ما قويت حجته, وظهر دليله.

وأيضًا اعتمدت فيه على المقارنة بين المذاهب الفقهية, والمقارنة مع الأنظمة الوضعية, وخاصة قانون الإجراءات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة, وهو قانون اتحادي برقم 11 لسنة 1992م.

فمن هذا المنطلق تناولت الموضوع بالبحث والدراسة وفق خطة منهجية بدأتها بمقدمة وأربعة مباحث وخاتمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت