إلا بذاك النوع من التربية التجريبيَّة الواقعيَّة، الَّتي تُحفر في القلوب، وتُنقش في الصدور وتأخذ من النفوس، وتعطي في معترك الحياة وملتقى الأحداث. لقد كانت مرحلة عجيبة حقًا تلك الَّتي قضاها المسلمون أثناء حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، مرحلة اتصال السماء بالأرض اتصالًا مباشرًا ظاهرًا، مُبَلْوَرًا في أحداث وكلمات، فكان كلُّ مؤمن يبيت وهو يشعر أن عين الله ترقبه، وأن سمع الله يناله، وأن كلَّ كلمة منه وكلَّ حركة، بل وكلَّ خاطر قد يصبح مكشوفًا للناس ويتنزَّل في شأنه قرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان كلُّ مؤمن يُحِسُّ الصلة القوية الَّتي تربطه بربِّه، فإذا أصابه أمر أو واجهته معضلة انتظر أن تُفتح أبواب السماء ليتنزَّل منها حلٌّ لمعضلته، أو فتوى في أمره، أو قضاء في شأنه.
والنصُّ القرآني هنا يُغفل أسماء الأشخاص، ليصوِّر نماذج البشر وأنماط الطباع، ويُغفل تفصيلات الحوادث وجزئيَّات الوقائع، ليصوِّر القيم الثابتة والسنن الباقية، الَّتي لا تنتهي بانتهاء الحدث، ولا تنقطع بذهاب الأشخاص، بل تبقى قاعدة ومثلًا لكلِّ جيل. فهو يهتمُّ بربط المواقف والحوادث بقدر الله المسيطر على الأحداث والأشخاص، ويُظهر فيها يد الله القادرة وتدبيره الحكيم، ويقف عند كلِّ مرحلة من مراحل الدعوة للتوجيه والتعقيب، والربط بالأصل الكبير. فالقرآن الكريم