فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 415

منها أن يُقال: مَا الحكمة في أنْ أخبر بالخلود؟ وَما الحكمة في أنْ أخبر بوصفين، وكلُّ واحد منهما يدلُّ على ما يدل عليه الآخر، لأنَّ الخلود يدلُّ على عدم الموت، وعدم الموت يدلُّ على الخلود؟.

والجواب: أنَّ في الإخبار لأهل النَّعيم بدوامه زيادة في نعيمهم، ورفعًا لتشويشٍ ممكنٍ وقوعُه مِن خوف سلب ما هُم فيه، فيُضَاعَفُ بتحقيق ذلك السُّرورُ عليهم. ومثل ذلك أهلُ الشَّقاوة والعذاب: تضاعفت الأحزان عليهم، واشتدَّ أَلَمُ العذاب عليهم، لعلمهم بدوامه تضاعفت الحسرات والآلام.

والجواب عَن الثَّاني هو: أنَّ فيه لأهل السُّرور تأكيدًا في الإخبار، حتَّى لا يبقى فيه احتمال بوجه مِن الوجوه، ويحصل لهم بذلك أكبر النَّعيم، وهو القطع بدوام نعم المنعم عليهم بلا تعبٍ يلحقهم ولا ألمٍ بوجه مِن الوجوه المحتملة بحسب ما عهدوا في هذه الدار، لأنَّ نعيمها - وإن دام لأحد - فالموت يقطعه، فأُخبِروا أنَّ ذلك النَّعيم بخلاف هذا، لأنَّ دَوامه لا ينقضي، ولا لهم فيها موت يقطعه.

ومثل ذلك في ضدِّه أهل دار الشَّقاء، لأنْ يحصل لهم العلم أنَّ عذاب تلك الدار دائم، وأنَّه ليس كعذاب هذه الدار، لأنَّ عذابها - وإنْ دام - فالموت قاطعه، كما قال السَّحرة لفرعون: {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] وهي منقطعة، فلا نبالي بعذابك، افعلْ ما بدا لك. هذا بلسان الحال الذي هو أبلغ مِن لسان المقال، وأنَّه ليس هنا موت يقطع لكم مَا أنتم فيه، فأيقنوا بدوام عقاب الله لهم ونقمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت