فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 415

وهنا (إشارةٌ لطيفةٌ) مُرَغِّبَةٌ في الاتِّباع، وترك الالتفات لِمَا يطرأ على البشريَّة، وما يعرض لها في حال الاتباع، لأنَّه لمَّا أن جادوا بما طُلِب منهم في الجهاد مِن بذل الكريمة، ولم يُبالوا بها أُبدِلوا منها في الدَّارين أعلى منازلهما، ففي الآخرة ما جاء عنهم أنَّهم: {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران:169] ، وأنَّهم تحت ظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، وما أُنيلوا مِن الشَّفاعة، إلى غير ذلك مِن الآي والأحاديث التي جاءت بالنَّصِّ في رفع منزلتهم، وفي هذه الدَّار أُحِلَّت لهم الغنائم على اختلافها، كما قال تعالى: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا} [الأحزاب: 27] ، وأُنِيْلُوا العزَّ وهو النَّصر والظُّهور، وهو أعلى منازل هذه الدَّار، فإذا كان هذا في الجهاد الأصغر، فكيف به في الجهاد الأكبر؟ ولذلك قال تعالى في الجزاء على بعض أفعالهم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة 17] .

ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصُّوفيَّة في الاتِّبَاع في كلِّ اللحظات، وتركوا الالتفات للعوارض، ولِما يطرأ مِن التَّغييرات، فلم ينظروا إلى الرِّزق ولم يفكروا فيه، واشتغلوا بما هم عليه قادمون، لأنَّ العبد مطلوبٌ والرِّزق طالبٌ ومضمونٌ، فلا يشغل بالمضمون عن المطلوب، ثمَّ زاد هذا الحديث تأكيدًا لهذا المعنى، إذ الطَّاعة تُيَسِّرُ الرِّزقَ وتسوقه، ولهذا المعنى يقول بعض الفضلاء: إذا التفت المريد إلى رزقه، أحسن الله له العزاء في طريقه، والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت