التأصيل لفقه الأقليات.. ضرورته وموجهاته (الحلقة الأولى)
أ.د. عبد المجيد النجار
طوح الزمان بالأمة الإسلامية في عهودها الأخيرة إلى وضع من الحياة جديد لم تكن له سابقة في ماضيها، وهو وضع المغلوبية الحضارية لأمم أخرى، ذلك الذي أصبحت فيه تابعة بعدما كانت متبوعة، ومغلوبة بعدما كانت غالبة. ومن إفرازات هذا الوضع الجديد أن نشأت ظواهر متعددة من وجود إسلامي لا يكون الإسلام فيه هو القيم على حياة المسلمين الاجتماعية إن بصفة كلية أو بصفة جزئية، وما عاشته كثير من الشعوب الإسلامية طيلة القرنين الماضيين من حياتها تحت استعمار الأمم الأوربية يعتبر إحدى أبرز تلك الظواهر وأكثرها توليدا وتفريعا في خصوص هذا الشأن.
وإذا كانت سنة الله تعالى في تدبير حياة الناس كثيرا ما ينساق إليهم فيها ما ينفعهم ويكون لهم فيه خير إن هم استثمروه بالاعتبار وفق تلك السنة ضمن ما يصيبهم من ضرر وهم له كارهون، فلعل من تجليات هذه السنة في خصوص ما نحن بصدده أن أفرزت تلك الحال الاستعمارية للشعوب الإسلامية التي خضعت فيها لسلطان غير سلطان الدين وضعا من الوجود الإسلامي بالبلاد الأوربية أصبح على صعيد العد يقدر بعشرات الملايين، وأصبح على صعيد الآمال يستشرف التعارف الحضاري أخذا وعطاء بما لم يتسن للمسلمين من قبل، بالرغم مما اتصفت به جهودهم من العزم والإخلاص، وكان هذا التجلي لتلك السنة يتمثل فيما ساقه الله تعالى فيها من خير نافع للإسلام والمسلمين، وذلك في ثنايا ما كان فيه كره لهم متمثل في خضوع هذه الأقليات الإسلامية الكبيرة في حياتها الاجتماعية لسلطان غير سلطان دينها، وهو سلطان القانون الوضعي في تلك البلاد التي تعيش فيها. ولكن ذلك الخير مشروط في حصول خيريته بحسن استثمار المسلمين لمقدماته حتى ينتج ثماره وفق قواعد الاعتبار وقوانينه.
أ ـ ضرورة التأصيل لفقه الأقليات: