الصفحة 22 من 134

وهو أن هذه الآية ذكرت في أطول سورة في القرآن الكريم , فهناك مناسبة بين طول الآية وطول السورة , وبخاصة أنها من آيات الأحكام , ومن سمات هذا الضرب من الآيات التفصيل والإسهاب ؛ حتى لا تكون المعاملات موضع اجتهاد أو أخذ ورد وبخاصة أن الآية تتحدث عن المعاوضات المالية التي هي أصل كثير من النزاعات بين الناس , ولما كانت هذه المعاوضات متنوعة إلى ديون وتجارات , استلزم ذلك الإسهاب ؛ استقصاءً لهذه الحالات المشار إليها .

وزاد من ذلك: أن الآية سلكت في معالجتها سبيل درء الشبهات , وسد الذرائع المؤدية إلى المنازعات , وأخذ الحيطة , وذلك كله يستلزم الإسهاب والإطناب في العرض ؛ ليواكب زخم هذه الأساليب العلاجية التي حوتها الآية .

تاسعًا: آية المداينة بين التثقيف والتكليف

إن القرآن الكريم - والذي تمثل آية المداينة لبنة من لبناته- معنيٌ بتثبيت الحكم , كما أنه معنيٌ في الوقت نفسه بتهيئة القلوب لتقبّل هذا الحكم ؛ ولتقتنع به , وتقبل عليه إقبال الشغوف , وليس من البلاغة بيان الحكم دون تهيئة النفوس لاستقباله , كما أنه ليس من البلاغة أيضًا الكشف عن المعاني الوجدانية الآسرة للقلوب الباعثة على الأريحية دون تحديد المراد .

والمقصود من الكلام أن البلاغة العالية هي التي تمزج بين الرافدين: بين أحكام الشريعة الضابطة لحركة الحياة , والمعاني الروحية الباعثة على النشاط للتمسك بهذه الأحكام .

( من هنا كان المعنى القرآني مزيجا متفاعلًا من عنصرين: التشريعي - وينطوي فيه العَقَدي - والروحي ؛ الماثل في غرس القناعة الفكرية , والطمأنينة الوجدانية بهذا العنصر التشريعي في قلب المكلَّف .

ولا تكاد تجد معنى قرآنيا إلا وهو وليد التفاعل بين هذين العنصرين , على اختلاف في مقادير هذين العنصرين ودرجات ظهورها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت