فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 276

الأفراد بعضهم مع بعض، وعلاقة الجماعة بغيرها من الناس، كل ذلك كان الهدف الذي يوجه إليه القرآن ويبين أسسه ويرسي قواعده.

ولكن اختلاف الموضوع قد ينتج عنه اختلاف الأسلوب من حيثية معينة، اللهم إلا حيثية الجودة وحسن الصياغة، ولنتصور أستاذا يحاضر في أدب المسرح، أو في أهداف الشعر، أو في أسلوب القصة، وآخر يتحدث في قضية من قضايا العلم كالطب والكيمياء، أو قوانين فيزيائية، وقد أعطي كل منهما القدرة على الشرح، وروعة الأسلوب، وحسن المحاضرة، إن عاقلا لا يمكن أن يفرق بين هذين الأستاذين بأن الأول كان سهل الأسلوب ميسرة وبأن الثاني كان معقدا ركيكا، بل إن كليهما رائع في شرحه، موفق في عرضه، ولكن طبيعة الموضوع المتحدث عنه هي التي تختلف من واحد لآخر، وهكذا أسلوب القرآن مكيه ومدنيه.

إن أي باحث منصف يتدبر آيات القرآن على اختلاف تنزلاتها سيجد أن الأسلوبين سواء، لا يختلف أحدهما من حيث الجودة عن صاحبه، إن آية الدّين في سورة البقرة [آية (282) ] ، وآيات المواريث في سورة النساء [الآيات (11) ، (12) ] وقضايا العقود في سورة المائدة، وأحكام الآداب في سورة الحجرات، وآيات الجهاد في سورة براءة [الآيات (1) - (29) ] : كلها مدنية لا تختلف من حيث أسلوبها وجودتها عن آي القصص في سورة الشعراء، أو عن قواعد الوحدانية في سورة النمل، أو عن قضايا الأخلاق في سورة الإسراء، اللهم إلا أنّ طبيعة الموضوع نفسه تقتضي شيئا من التغير في العرض، ولكن هذا التغير كما قلت، بعيد كل البعد عن صلب الأساسيات الأولى، من جودة النظم، وروعة الأسلوب وعلو شأنه، وبديع الصنعة، والتناهي في البلاغة، وتلك قضية يدركها كل من كان له أدنى اطلاع، وأدنى معرفة بالأساليب مقبولها ومردودها على السواء، وسيأتيك مزيد في بحث هذه القضية في موضع آخر إن شاء اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت