الصفحة 44 من 74

وفي انصار رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتجسد الإعجاز التأثيري للقرآن الكريم ، متمثلًا في شخصية عباد بن بشر المدني الانصاري ، الذي اتدبه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو وعمار بن ياسر المهاجري للحراسة في ليلة من ليالي غزوة ذات الرقاع ، (فلما خرج الرجالن الى فم الشعب للقيام بالحراسة من خلاله ـ ، قال الانصاري للمهاجري: أي الليل تحب ان أكفيكه: أوله أم اخوره؟ قال عمار: بل اكفني اوله .

فأضطجع عمار فنام ، وقام عباد يصلي ، واتى الرجل ـ أي من الاعداء ـ فلما رآى عبادًا قائمًا عرف انه ربيئة ، (اي طليعة) القوم ، فرمى بسهم فوضعه فيه ، فنزعه ووضعه ، فثبت قائمًا ، ثم عادل له بالثاني ، ثم عادل له بالثالث ، فوضعه فيه ، فنزعه فوضعه ، ثم ركع وسجد ، ثم أهب صاحبه ، فقال اجلس فقد أثبتُّ (جُرحت) ، فوثب عمار ، فلما رآهما الرجل عرف ان قد نذرا به فهرب (116) .

وهنا قد نتساءل: لماذا تحمل عباد كل هذه الجراحات ، هل تحملها شجاعة؟ أم تحملها إيثارا لراحة اخيه المهاجري النائم؟ أم ان هناك سبباص آخر شغل هذا الانصاري المجاهد عن نفسه وعن صاحبه وعن جراحاته ، سهام ثلاثة تصوب ناحيته ، ثم تصيبه ، ثم تنفذ خلال جسده ، فيسيل دمه ، فيثبت امام كل ذلك متأثرًا بشيء اقوى من هذه الاسهم ! هذا التساؤل هو ما ثار في ذهن عمار قائلًا لصاحبه بعد ما رأى ما به من الدماء: سبحان الله ! أفلا اهبتني اول ما رماك؟ فيوقل عباد بن بشر المدني الانصاري: كنت في سورة أقرؤها فلم احب ان اقطعها ، حتى أنفدها ، فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك ، وايم الله ، لولا أن اضيع ثغرًا أمرني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفظه ، لقطع نفسي قبل ان اقطعها ، او انفدها (117) ، أي سور القرآن تلك التي سلبت من هذا الانصاري كل مشاعرالالم والخوف والحرص على الحياة ؟ لم تخبرنا الرواية باسمها ، ولعل في ذلك ما يجعلنا نؤكد تأثير القرآن بجملته على من يؤمن به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت