حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 669
الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ [الرعد: 31] واتفقوا على أن القارعة من أسماء يوم القيامة سمي بها لأن الأجرام العلوية والسفلية يصطكان اصطكاكا شديدا عند تخريب العالم، فبسبب ذلك الاصطكاك سمي يوم القيامة بالقارعة أي الساعة القارعة، أسند الفعل إليها وهو لأهلها إسنادا مجازيا. قال المصنف في سورة الحاقة في تفسير قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [الحاقة: 4] أي بالحالة التي تقرع الناس بالإفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار يعني أنه سمي زمان الحالة القارعة باسم القارعة. قوله تعالى: (الْقارِعَةُ) مبتدأ و «ما» مبتدأ ثان و «القارعة» خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول ووضعت «القارعة» موضع الضمير العائد إلى المبتدأ الأول تفخيما لشأنها وإفادة لزيادة التهويل. وتقدير الكلام: القارعة أي شيء هي ثم زادها تفخيما فقال: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يعني أنك لا علم لك بكنهها لأنها من العظم والشدة بحيث لا تبلغه دراية أحد ولا وهمه. و «ما» في قوله: وَما أَدْراكَ مبتدأ و «ما» الثانية مبتدأ ثان و «الْقارِعَةُ» خبر الثاني والجملة في محل النصب على أنها مفعول ثان لأدري ومفعوله الأول الكاف، وأدراك لا يعمل في مفعوله الثاني وهو قوله: مَا الْقارِعَةُ لتضمنه معنى الاستفهام وأدري مع ما في حيزه في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ الأول. والفراش جمع فراشة وهو ما يتهافت في النار ليلا والمبثوث المفرق يقال: بثه إذا فرقه. قوله: (في كثرتهم) لأنه تعالى شبّه الخلق وقت البعث بالكثير من الفراشة لأن الفراش جمع فراشة.
و «يوم» منصوب بما يدل عليه القارعة أي تقرع يوم يكون الناس كالفراش، ولا يجوز أن يكون ظرفا للفظ القارعة المذكور أولا لاستلزامه تخلل الفاصل بين العامل الذي هو من صلة لام التعريف وبين معموله بأجنبي وهو الخبر. هذا على تقدير أن تكون «القارعة» اسم فاعل.
وإن جعل علما للقيامة فلا يعمل أيضا ولا للمذكور ثانيا وثالثا إذ لا وجه لكونه ظرفا لشيء منهما. ويحتمل أن يكون معمولا «لاذكر» مضمرا. وقيل: «القارعة» مرفوع على أنه فاعل فعل مضمر و «يوم» منصوب به تقديره: ستقوم القارعة يوم يكون. قوله: (كالصوف ذي الألوان) فإن الجبال مع كونها مختلفة الألوان كما قال تعالى: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها [فاطر: 27] إذا تفرقت أجزاؤها وانحل تركيبها تصير مشابهة للعهن وهو الصوف الملون بألوان مختلفة إذا جعل منفوشا متبدد الأجزاء. قوله: (بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته) على أن الموازين جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وحظ عند اللّه، وأن ثقله عبارة عن رجحان مقداره على مقدار ما يقابله من العمل القبيح واختيار موازينه على موزونه مع أن إضافة جنس الموزون أيضا تفيد العموم للدلالة على أن المراد إحاطة أنواع ذلك الجنس لا إحاطة نوع واحد من أنواعه. فإن أنواع الأعمال الموزونة إما أن تكون ثقيلة