حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 1، ص: 131
مقدرتهم دون معارضتها، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالرنجي مع العربيّ، ولم يكن القرآن بأسره بيانا ولما أمكن التحدّي به وإن كانت مفهمة. فأمّا أن يراد بها السّور التي هي مستهلّها على أنها ألقابها أو غير ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رعاية المناسبة بين المعاني الأصلية والعلمية عند التسمية بها، ولما كانت هذه السور مركبة من مسميات تلك الأسامي ومسماة بها نسبوا إلى الذهن أن تسميتها بتلك الأسامي إنما هي للمناسبة بين معانيها الأصلية التي هي المسميات وبين معناها العلمي الذي هو السورة المركبة من مسميات الأسماء المذكورة فتكون تسمية السور بها مشعرة بكونها مركبة من مسمياتها فلو لم تكن من عند اللّه لما عجزوا عن إتيان مثلها فيكون في تسميتها بها إيماء إلى الإعجاز والتحدي على سبيل الإيقاط. فالدلالة على وجه الإعجاز معتبرة في هذا الوجه كما أنها معتبرة في الوجه الأول لكنها معتبرة في الوجه الأول اعتبارا مقصودا بالذات قصدا أوليا وفي هذا الوجه ليس اعتبارها إلا لترجيح التسمية بهذه الألفاظ دون غيرها مع استواء الكل فيما يقصد بالإعلام من الدلالة على المسمى والمقدرة بالحركات الثلاث في الدال بمعنى القدرة، كذا في الصحاح. قوله: (دون معارضتها) أي عندها. قوله: (واستدل عليه) أي على كون الألفاظ التي افتتحت السور بها أسماء للسور.
قوله: (مفهمة) على صيغة المفعول من باب الأفعال أي معلومة المراد منها بحسب العلم بالوضع فكأن الواضع أفهمنا المعنى المراد منها وفي هذا التعبير تنبيه على أن لا دخل للرأي في معرفتها بل تجب استفادتها من الغير. واعلم أن للناس في قوله تعالى: الم* وسائر الفواتح قولين: أحدهما أنه ستر مستور ومعنى محجوب استأثر اللّه تعالى بعلمه روي عن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه أنه قال: في كل كتاب ستر وستر اللّه تعالى في القرآن هذه الحروف التي في أوائل السور. وروي مثله عن سائر الصحابة أيضا والتابعين رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين. وأنكر المتكلمون هذا القول قالوا: لا يجوز أن يرد في كتاب اللّه تعالى ما لا يكون مفهوما للخلق محتجين بقوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24] أمرهم بالتدبر في القرآن ولو كان غير مفهوم المراد منه لما أمرهم كيف يأمرهم بالتدبر فيه؟ وبقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] وما لا يكون مفهوما كيف يكون نورا ومبينا؟ ونحو ذلك كثير في القرآن وبقوله عليه السّلام: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه وسنتي» وكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟ وبالوجوه المعقولة أيضا منها أنه لو ورد فيه شيء لا سبيل إلى العلم به لكانت المخاطبة به نحو مخاطبة العربي باللغة الزنجية ولم يجز ذلك فكذا هذا، ومنها أن المقصود من الكلام الإفهام فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا