الصفحة 34 من 46

في قلوب الناس. (انظر تفسير ابن كثير ,وتفسير ابن سعدي رحمهما الله ,عند الآية السابقة)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله (فكلما كثر البر والتقوى قوي الحسن والجمال وكلما قوي الإثم والعدوان قوي القبح والشين حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح , فكم ممن لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه حتى ظهر ذلك على صورته ) الإستقامه لإبن تيمية 1/ 365.

التاسعة والعشرون: الجمع بين التوسع في الدنيا والزهد فيها

من فضائل الإستقامة كذلك، أنها لاتمنع المؤمن من التوسع في الدنيا، والسعي في كسب الرزق الحلال، ليكفي المؤمن بذلك نفسه ومن يعول، ويستعين بها على طاعة الله ويستغني عن الناس، ويقطع الطمع عما في أيديهم، ومع ذلك لاتكون الدنيا أكبر همه ولا مبلغ علمه، ولا تشغله عما أوجب الله تعالى عليه.

كثير من الناس يخلط في هذا الأمر، فإما أن يتوسع في الدنيا بدون ضوابط وينشغل بها عن الأخرة، وكأنه خلق من أجلها، فتراه قد ترك الواجبات ووقع في المحرمات والعياذ بالله من أجل تحصيل هذه الدنيا الفانيه.

وإما أن يعرض عنها تمامًا ويشدد على نفسه ويحرمها مما أحل الله لها، فتراه يعيش عالة على الناس، ويضيع نفسه ومن يعول، ويفوته خير كثير، وكل هذا بإسم الزهد في الدنيا والإعراض عنها والتعلق بالآخرة.

ولا يخفى أن الزهد الصحيح هو كما قال العلماء: ترك مالا ينفع في الآخرة.

وقيل هو: ترك فضول الدنيا مما يشغل عن الآخرة، وخير الهدي، هدي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال في الحديث الصحيح: (أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) . متفق عليه

وكذلك كان حال بعض خيار الصحابه كالصديق، وعمر وعثمان وعلي وعبدالرحمن بن عوف وغيرهم من أثرياء الصحابه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين.

فقد عرفوا مالهم وما عليهم من هذه الدنيا، فجعلوها في أيديهم ولم يجعلوها في قلوبهم، فأخذوا منها ما يكفيهم وزهدوا فيما لا ينفعهم في الأخرة ولا يعينهم على عبادة ربهم، وبذلوها رخيصة في نصرة دين الله تعالى.

ولنتأمل قول الله تعالى (( وابتغ فيما أتاك الله الدار الأخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا ... ) )القصص (77)

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (( من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمه، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ) )رواه الترمذي، صحيح الجامع (6510)

نسأل الله أن يجعل هذه الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا، وأن يرزقنا منها ما يعيننا على طاعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت