المطلب الثالث: تشكيك الجابري في أمية الرسول - صلى الله عليه وسلم:
وردت كلمة (أُميّ) في القرآن الكريم مفردة وجمعًا ست مرات، مرتين مفردة [1] ، وأربع مرات جمعًا. [2] فقد جاءت في سورة الأعراف صفتين للنبي- صلى الله عليه وسلم -، وفي سورة البقرة صفة لطائفة من اليهود، أما في سورة آل عمران فهي صفة للمشركين من العرب، وجاءت بنفس المعنى في سورة الجمعة، وفسر القرطبي كلمة (أمي) في قوله تعالى:"الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ..." (الأعراف: 157) بأن (الأمي) "منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها، لم تتعلم الكتابة ولا القراءة .." [3] ... ونقل الفخر الرازي عن الزجاج (أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج البغدادي(241 هـ- 311 هـ) أن (الأميّ) هو الذي على صفة أمة العرب .. فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون، والنبي كان كذلك، فلهذا وصفه بكونه أميا [4] . وفسر المفسرون أيضا كلمة (أمي) في قوله تعالى:" فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"... (الأعراف: 158) بنفس المعنى .. وورودها جمعًا أيضا، لم يبتعد عن هذا المعنى .. ونقل الطبري في شرحه للآية"وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ..." (البقرة: 78) قال: إنهم ناس من اليهود لا يقرءون ولا يكتبون .. [5] ..
وفسر اللغويون كلمة (أميّ) بأنها الجهل بالقراءة والكتابة، ورأوا أنها نسبة إلى الأمة الأمية، أو أم القرى (مكة) أو الأم .. [6] .. وقال في معجم ألفاظ القرآن الكريم: الأمي: من لا يكتب ولا يقرأ. [7] .
وهناك أحاديث نبوية تفيد أن لكلمة (أمي) معنى واحدًا، وهو الجهل بالقراءة والكتابة، ووصف القرآن الكريم النبي- صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفة، لا يحتمل إلا هذا المعنى الذي أجمع عليه المفسرون، واللغويون، والمؤرخون المسلمون ومن هذه الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -:"إنا أمة أمية، لا"
(1) - سورة الأعراف: 157، 158.
(2) - البقرة: 78، آل عمران: 20، وَ75، الجمعة: 2.
(3) - القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج3: ص 2735. والتفسير من مباحث علوم القرآن ..
(4) - فخر الدين محمد بن عمر الرازي: التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) دار الكتب العلمية، بيروت: ج15، ص 22.
(5) - الطبري، جامع البيان: 1: 296.
(6) - انظر: لسان العرب لابن منظور، محمد بن مكرم، دار صادر، بيروت، والقاموس المحيط، مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، ط2، الحلبي بالقاهرة:: مادة (أم)
(7) - معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، القاهرة: ج1: ص 53.