كان مُفرقا في الصحف والصدور، وهذا غير صحيح تمامًا، ولا أدري من أين جاء به الجابري، فهو لم يُوثق زعمه هذا. والروايات الصحيحة نصت صراحة على أن القرآن جُمع كله زمن أبي بكر- رضي الله عنه-، اعتمادًا على المحفوظ والمكتوب معًا. ثم جُمع في مصحف واحد، وظل عند أبي بكر، ثم عند ... عمر، ثم عند ابنته حفصة- رضي الله عنهم-، ثم طلبه عثمان، فنسخه دون زيادة ولا نقصان، وأرجعه إليها. فسيدنا عثمان لم يجمع، بل نسخ نسخة عن مصحف أبي بكر على حرف قريش، في حين أن مصحف أبي بكر كان بالأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. و لم تحدث أية عملية جمع جديدة للقرآن، فما قام به عثمان هو نسخ نسخة من مصحف أبي بكر على حرف قريش فقط. . ... فالجابري هنا يتعمد تحريف التاريخ ليجد مبررًا للزعم بأن القرآن لم يكن محفوظًا حِفظًا جيدًا قبل سنة 25 هجرية، مما يجعله عُرضة للضياع والزيادة والنقصان، هذا ما يريد الجابري الوصول إليه بتحريفه ... للتاريخ، وإغفاله للروايات الصحيحة، وتأويله الفاسد لها، واعتماده على الروايات المكذوبة التي لم يحققها إسنادًا ولا متنًا. فالروايات كلها عنده سواء، يأخذ منها ما يريد، ويترك منها ما يريد، من دون منهج علمي نقدي، وهذا ليس من العلم، ولا من الموضوعية في شيء. وأما زعم الجابري بأنه"وقع تدارك بعض النقص كما في مصادرنا"، فهذا يعني أنه قد ضاعت من القرآن الكريم آيات لم تُستدرك، و هذا زعم باطل، لم يحدث أي استدراك لآية أو أكثر من القرآن، وإنما الذي حدث هو عمل علمي جماعي، ... تَمَّ بأمر من خليفة المسلمين أبي بكر- رضي الله عنه-، في ظروف عادية للغاية، جُمع خلالها القرآن كله، ولم يسقط منه حرف واحد. ... وأما زعم الجابري بأنه"وقع تدارك بعض النقص كما في مصادرنا"، فهذا يعني أن البعض الآخر من الآيات لم تُستدرك، و هذا زعم باطل، لا دليل عليه .. ... والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء.
وهو قد افترى على المصادر عندما قال:"كما ذُكر في مصادرنا .. !؟"، لأن هذه المصادر التي رجع إليها و ذكر رواياتها، لا توجد فيها رواية صحيحة قالت بأن آيات من القرآن تداركها الصحابة، وأخرى سقطت منهم وضاعت. فهذا زعم باطل، و معظم الروايات التي احتج بها، غير صحيحة إسنادًا ومتنًا. والصحيح منها لم تذكر ما زعمه الجابري، وإنما أشارت إلى أن آيات من القرآن قد نُسِخَت، وهذا أمر شرعي معروف في دين الإسلام. لكن الجابري يختفي من وراء النسخ، و يُؤوّله ليصل إلى القول بأن القرآن ضاعت منه آيات أُسقطت من المصحف، وهذا افتراء على الحقيقة، وتلبيس على قُرّائه، ومعظمهم غير متخصص في هذا الموضوع، أو غير دارسٍ له أصلًا، والنسخ ليس نقصًا ولا ضياعًا ..