الصفحة 6 من 1745

ولربما بكرت بعدها إلى مثل ذلك بكور الغراب، فأصبحت وأمسيت في بيتي لأيام معدودات"رهين المحبسين": الكتابة والكتاب، يمر بي الشهر الكامل لا أميز بين أعجازه وهواديه [1] والأسبوع الحافل لا أفرق بين مفاريده ومثانيه، تستبد بي فكرة لاحت، أو تسنح لي فائدة سنحت وأسعفت بعد أن اعتاصت علي زمانا وامتنعت، فتتملكني نشوة الظفر، تملك من أحرز قصب السبق وقضى اللبانة وأدرك الوطر.

وقديما قالها إمام أهل البصرة في القراءة ورواية اللغة وآدابها أبو عمرو بن العلاء، وكان يومئذ هاربا مع أبيه من أمير العراق الحجاج بن يوسف الثقفي، فلما كانا ببعض الطريق خرج فسمع منشدا بنشد:

"ربما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال"

قال: وسمعت عجوزا تقول: مات الحجاج، قال: فما أدري بأيهما كنت أسر؟ بقول المنشد"فرجة"بالفتح، أو بقول العجوز:"مات الحجاج"! [2] .

لقد حببت إلي في ذلك المعاناة، فكنت أكابد في عنت البحث رهقا جميلا، وأصابر من ألقاهم من أهل القراءة وحفظة الخزائن طويلا طويلا، فربما لاقيت بلا سابق معرفة أخا كريما أو ابن أخ كريم، وربما جمعتني الصدفة بآخر"مناع للخير معتد أثيم"، حتى ظنني بعضهم أتعاطى كتابة الحروز، واعتقدت امرأة أرسلت إليها أريد أن تطلعني على خزانة زوجها المتوفى، أني أبحث عن تقاييد الدفائن وأحترف استخراج الكنوز، فقلت في نفسي كما قال القائل:

راحت مشرقة ورحت معربا ... شتان بين مشرق ومغرب

(1) - أي أوائله وأواخره.

(2) - ينظر الخبر في إنباه الرواة على أنباه النحاة لأبي الحسن الفقطي 4/134-135 وجمال القراء وكمال الإقراء لأبي الحسن السخاوي 2/453.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت