الصفحة 30 من 32

أقولُ إذ ضاقت علي مذاهبي ... وحلت بقلبي للهموم ندوب

لطول جنايتي وعظم خطيئتي ... هلكت وما لي في المتاب نصيب

وأغرق في بحر المخافة آيسًا ... وترجع نفسي تارة فتتوب

تُذكرني عفو الكريم عن الورى ... فأحيا وأرجو عفوه فأُنيب

وأخضع في قولي وأرغب سائلًا ... عسى كاشف البلوى عليَّ يتوب [1]

فيا أخي:

يا من لا يرى من توبته إلا الوعود، فإذا تاب فهو عن قريب يعود، أرضيت بفوت الخير والسُّعود؟!! أأعددت عدة لنزول الأخدود؟!! أما علمت أن الجوارح من جملة الشهود؟! تالله، إنَّ حوض الموت قريب مورود، والله ما الزاد في الطريق بموجود!! والله إن القيامة تشيب المولود، والله إنَّ العمر محسوب معدود، والوجوه غدًا بين بيضٍ وسودٍ [2] .

الخاتمة

وبعد أخي: علك استفدت من هذه المواعظ الإيمانية التي تزيد الإيمان، وتبعدك عن الذنوب والعصيان، وتقرِّبك من الواحد الديان، وتجعلك كمولود جديد خرج على هذه الدنيا الدنيئة فجدّ وشمّر للإقلاع عن السيئات، وعزم على زيادة الطاعات، وحلاوة المناجاة في ظلام الخلوات.

فقد أحببت أن تكون هذه الرسالة وصالًا من القلب إلى القلب، وحادي الأرواح فيما بيننا هو الإيمان والسير على نهج الصالحين وأهل الإحسان.

وأسأل الله العلي القدير أن يغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما هو به أعلم منا، فهو المقدم وهو المؤخر وهو على كل شيء قدير.

إخواني: التوبة التوبة قبل أن يصل إليكم موت النوبة، فيحصل المفرط على الندم والخيبة، الإنابة الإنابة قبل غلق باب الإجابة، ما أحسن قلق التُّواب! ما أحلى قدوم الغياب! ما أجمل وقوفهم بالباب! كان بعض الصالحين يقول:

إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... في رقهم عتقوهم عتق أبرارِ

وأنت يا خالقي أولى بذا كرما ... قد شبتُ في الرق فأعتقني من النارِ

رياح الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبين، وقصص التائبين، ثم تعود بردِّ الجواب بلا كتاب.

(1) للشاعر: حسن الأندلسي.

(2) كتاب التبصرة - لابن الجوزي -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت