فيها ظلما و عدوانا، و هذه القصة فصلها القرآن الكريم في سورة خاصة لأهميتها و هي سورة البروج بقوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6) وَ هُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ شَهِيدٌ (9) .
و إثر ذلك نقم الرومان على ملك اليمن اليهودي و ساعدوا الأحباش على غزوها ثانية فكان لهم ذلك بقيادة أرياط عام 525 م، و استمر حكمه عليها حتى اغتاله أحد قواده أبرهة بن الأشرم عام 549 م، و حكم بدله اليمن بعد أن استرضى ملك الحبشة، و هذا الأشرم نفسه الذي أراد هدم الكعبة لصرف العرب عن قدسيتها، فجيش الجيوش و على رأسها فيل عظيم و سار بالجيش حتى وصل مشارفها، فسلط اللّه تعالى عليه الطير الأبابيل التي قضت عليه و على جيشه الباغي، و هذا العام سمي عام الفيل و هو العام الذي ولد فيه المصطفى صلّى اللّه عليه و سلم. هذه الحادثة ثبتها القرآن الكريم بسورة خاصة لأهميتها أيضا هي سورة الفيل بقوله تعالى «1» :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) .
و هكذا يثبت القرآن الكريم هذه الأحداث التاريخية المتفاوتة و الممتدة من مبعث سيدنا عيسى عليه السلام و حتى الولادة المباركة لسيدنا محمد صلّى اللّه عليه و سلم.
ج- إن الرسول صلّى اللّه عليه و سلم سيدخل مكة منتصرا، و أن اللّه سيظهر دينه كله في آفاق الأرض، و أن الدين سيكتمل و ينتشر «2» ... و هذا ما نجده مشخصا بجلاء في الآية المباركة وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ
(1) الرحيق المختوم للمباركفوري، ص 24- 25 بتصرف.
(2) انظر كتابنا (القوانين القرآنية للحضارات) ، ففيه تفاصيل واسعة و مهمة في هذا الموضوع.