وإنَّ من هؤلاء الرجال الأفذاذ ، والأئمة الحفَّاظ ، عَلَمُ القرن الثامن الهجري وزهرتُه ، الإمام الحافظ الحجَّة شمس الدين محمد بن الجزري رحمه الله ، والذي أفردتُ له هذه السطور التي ستراها في هذا البحث ، والتي عنت اهتمامه وعلوَّ شأنه في الحديث الشريف وعلومه خاصَّة ، والتي أسميتها:"الإمام شمس الدين محمد ابن الجزريِّ - محدِّثًا".
إذ الذي حملني على اختياري هذا العُنوان: ما اشتهر بين الناس أن الإمام - كان متفننًا في القراءات دون غيرها من العلوم ، فكيف بك أيها اللبيب إذا وقفت على أنه كان إمامًا في علوم الرواية والدراية ، رأسًا في اللغة والفقه والتصوف وعلى ما صنَّف فيها !! ، وكيف إذا أردفت هذا الوقوف بقراءةٍ متأنيةٍ في نشأته وسيرته ورحلاته وأقوالِ من أثنى عليه من كبار أئمةِ عصره !! ، قدَّس المولى روحه في أعلى الفردوس ، ومن هنا يَبين لك أهمية هذا العُنوان.
ولعلَّه يَجْدُرُ بي أن أُشيرَ إلى صعوبةِ ما واجهته في الإعداد له: فبين قلةِ المصادر التي ترجمت له - ، وقلةِ من اهتم بتحقيق مخطوطاته وخدمةِ مؤلفاته في غير القراءات ، وانعدامِ من أفرد بالتصنيف في سيرتِه ألبتة .. فضلًا عمن أفردها بكونه مبرِّزًا في الحديث ، وضيقِ الوقت ، وقلَّةِ زادِ وكسادِ بضاعةِ الباحث غفر الله له ، خَرَجَ هذا البحث من هذه الرَّحِم ، يرجو حياةً بحُسْنِ ظنك يا ابن الكرام ، فأظْهِرْ محاسنه ، واخْفِ مثالبه ، وأقم النصح فيه ، وحسبك تسليمي لإحدى الحسنيين.
وعليه .. فقد اشترطت على نفسي في هذا البحث أن أسبر غور كتب التراجم قديمها وحديثها ، منصِّصًا ما نقلت ، محشيًَّا إن لَزِم على ما نصَّصْت ، مترجمًا لبعض من ذكرت ، مُفادًا أشدَّ إفادةٍ مما وقع عندي أو سُقِطَ في أيدي إخواني مقدمة مما صنَّفه الإمام - من مخطوطٍ ومطبوع.
وعلى ما اشترطت بعون الله سبيلا .. خططت هذه الخطة تقريبًا وتسهيلا:-
مقدمة البحث: وكأني بك تقرأها رعاك الله.