ولد الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - سنة ثمانين من الهجرة، وكان مولده في الكوفة، في خلافة عبدالملك بن مروان.
وقيل: إنه ولد سنة 63ه، وقيل: سنة 70ه والذي رجحه العلماء هو القول الأول، أي: أنه ولد سنة 80ه وهذا الذي ذكره ابن زبر الربعي (6) .
نشأته وطلبه للعلم:
نشأ بالكوفة مكان ولادته وذلك في أسرة مسلمة، صالحة، غنية، كريمة، ويبدو أنه كان وحيد أبويه، وكان والده خزازًا، يبيع الأثواب في دكان له بالكوفة، وأخذ أبو حنيفة من والده هذه المهنة وخَلَفه بعد وفاته، وكان يتكسب منها، وكان مضرب المثل في الأمانة والصدق.
وقد وفق لحفظ القرآن في صغره، شأن أمثاله من ذوي النباهة، والصلاح، مع اشتغاله ببيع الخز مع والده، ويبدو أيضًا أنه لم يلتحق بسماع دروس العلماء وحضور حلقاتهم، ولم يطلب العلم في مجالسهم إلى أن وافق لقاء بينه وبين الشعبي، وكان ذلك فاتحة خير عظيم في حياة أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: مررت يومًا على الشعبي وهو جالس فدعاني، وقال: إلى من تختلف؟ فقلت: أختلف إلى السوق، وسميت له أستاذي، فقال: لم أعن الاختلاف إلى السوق، عَنَيت الاختلاف إلى العلماء، فقلت له: أنا قليل الاختلاف إليهم، فقال لي: لا تفعل وعليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة وحركة، قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم فنفعني الله بقوله (7) .
وقد اجتهد في الطلب ويبدو أن أول ما اتجه إليه علم النحو (8) ، ثم علم الكلام، ومناقشة أهل الإلحاد والضلال، حتى بلغ فيه مبلغًا يشار إليه بالأصابع، ودخل البصرة أكثر من سبع عشرة مرة، يناقش ويجادل، ويرد الشبهات عن الشريعة، ويدفع عنها ما يريد أهل الضلال الإلصاق بها، وقد ناقش جهم بن صفوان حتى ألجمه وأسكته، وجادل الملاحدة، وناظر المعتزلة والخوارج فألزمهم الحجة، بل جادل غلاة الشيعة وأخرسهم.