وقال الذهبي عن التابعي قتادة السدوسي: ( كان يرى القدر نسأل الله العفو ، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه إذا كثر صوابه ، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك) ومما يعين على اجتماع الكلمة: الحذر من أن يؤدي الاختلاف إلى جفوة وفتنة بين المختلفين ، يقول شيخ الإسلام: ( كانوا يتناظرون في المسائل العلمية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة) . وقال يونس الصدفي: ( ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ولقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة ) . ومما يعين على اجتماع الكلمة: عدم الإنكار على المخالف ما دام الخلاف سائغًا ، لكن هذا لا يمنع من أن تبين له الحق الذي تعتقده . إذ مازال السلف يرد بعضهم على بعض في مسائل الفقه والفروع من المعتقد، وهذا من النصيحة للمسلمين. وقد نقل عن كثير من السلف عدم الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان للاجتهاد فيها مساغ . ومقصدهم في ذلك الإنكار المؤدي إلى الفرقة ، لا مجرد التنبيه وإقامة الدليل على صحة ما يعتقده الإنسان، وإلا انسد كثير من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول سفيان: ( إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه ) . وروى عنه الخطيب أيضًا أنه قال: (ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحدًا عنه من إخواني أن يأخذ به) . ويقول ابن مفلح: ( لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع) . قال النووي: ( ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا) .