ولقد وجد في المجتمع الإسلامي فعلا هذا الصنف من الناس الذين يحدثونك بأنهم مؤمنون بالله ، وكفى ولا داعي لمطالبتهم بأكثر من هذا! ! وهم يواجهون من يدعوهم إلى الالتزام بأوامر الله ونواهيه: بأن الهدف من هذه هو تزكية النفس وعدم إيذاء العباد ، فإذا تحقق هذا الهدف بوسيلة أخرى كالثقافة مثلا كان في ذلك غنى عن الالتزام بالتكاليف لأن هذه هي روح الدين! ! . . وغاب عنهم أو تجاهلوا أن العبادة في حقيقتها ثمرة الإيمان بالله وتأكيد لعبودية الإنسان له ، وأن الله سبحانه قد اختار لعباده أن يخاطبوه ويقدسوه بكيفية معينة لا خيار لهم فيها ، بصرف النظر عن تحقيق مصلحة معينة لهم من العبادة أو عدم تحققها: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (3) فمصلحة الإنسان العليا في أن يرضى خالقه بإنفاذ أمره والتزام طاعته.
فهذا صنف من الناس يجتزئ من الدين بما لا يقتضيه تكلفة: أن يقول: آمنت بالله-فحسب ، وهو يستعمل مسألة تسليمه بوجود الله-عز وجل- ذريعة إلى التحلل والانعتاق من سائر قضايا الدين والصدود عنها وهو أمر ينبغي أن يلحظ على أنه من صميم أزمة الدين في أنفس المثقفين المعاصرين ، لأن الثقافات الإلحادية قد اتخذت لنفسها خطة لئيمة ، فحواها أن دعوة المسلم إلى الفكر تلقى نفورا في المجتمع الإسلامي ، ويكاد يكون من المحال إحراز تقدم فيه باعتناق هذه الدعوة ، ولذا ينبغي أن تكون الخطة -أولا- تجريد شخص المسلم من الالتزام بالتكاليف ، وتحطيم قيم الدين الأساسية في نفسه بدعوى العلمية والتقدم دون مساس بقضية الإلهية مؤقتا لأنها ذات حساسية خاصة ، وبمرور الزمن ، ومع إلف المسلم لهذا التجريد يسهل في نهاية الأمر تحطيم فكرة الإلهية أساسا في عقله ووجدانه -وإذا بقيت افتراضا فلا ضرر منها ولا خطر ، لأنها حينئذ لن تكون إلا بقايا دين كان موجودا ذات يوم بعيد.