قوله (( إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه ) )أي عمل، لأن النكرة عملًا في هذا السياق سياق الشرط تفيد العموم، ولذلك فإن الله -سبحانه وتعالى- يحب من سلوك المؤمن الإتقان، وهذا يشمل أعمال الدنيا وأعمال الآخرة، والله تعالى كتب الإحسان على كل شيء، كما في صحيح مسلم. يعني أوجب عليكم الإحسان في كل شيء من أعمالكم، على بمعنى في، والمراد بالإيجاب الندب المؤكد، وهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان لكن في كل شيء بحسبه، كما ذكر ابن رجب رحمه الله. فالمسلم مطالب بالإتقان في أعماله التعبدية والمعاشية، إحكامًا وإكمالًا، تحسينًا وتجويدًا، وإتقانًا، فحُق عليه أن لا يأتي بشيء من أعماله إلا صححه وأكمله وكمله، ولذلك يقبل ويكثر ثوابه، والإحسان والإتقان والإكمال والتجويد والتحسين، هذا الآن مما يتنادى به البشر، في التخطيط والتنفيذ، وقد جاء الإسلام بذلك من قديم، قال أحد السلف: لا يكن هَمُّ أحدكم في كثرة العمل ولكن ليكن همه في إحكامه وتحسينه.
المُلكُ أَن تَعمَلوا ما اسطَعتُمو عَمَلًا ... وَأَن يَبينَ عَلى الأَعمالِ إِتقانُ
وإتقان العمل يكون: بإحكام الشيء وضبطه على أحسن وجه.
وإكماله وعدم تركه ناقصًا.
قال -عليه الصلاة والسلام-: (( مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ. فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَانًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا إِلَّا هَذِهِ اللَّبِنَةَ، هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ ) )رواه البخاري ومسلم.
بعض الناس يعمل ولا يحسن، وبعض الناس يبدأ ولا يكمل،
وَما كُلُّ هاوٍ لِلجَميلِ بِفاعِلٍ ... وَلا كُلُّ فَعّالٍ لَهُ بِمُتَمِّمِ
حثت الشريعة على الإتقان، إنها أمانة، {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} (الأحزاب: من الآية72) .
فإتقان العمل من الأمانة، {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ} .