الصفحة 12 من 64

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فما أخبروا كأنهم تقالّوها ، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . قال أحدهم: أما أنا فأنا أحيي الليل أبدا ، وقال آخر أنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر ، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )32 . متفق عليه .

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في فتح الباري: المراد بالسنة الطريقة ، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه ، إلى غيره والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني ، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية فإنهم الذين ابتدعوا الشديد كما وصفهم الله تعالى وقد عابهم بأنهم ما وفوّا بما التزموه ، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم السمحة ، فيفطر ليتقوى على الصوم ، وينام ليتقوى على القيام ، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل .

وتدل مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الثلاثة في الحديث على حرصه صلى الله عليه وسلم عليهم وعنايته بهم من الملل والسآمة وانقلاب الحال فكان رفقه بهم أن بين لهم طريق من يدلهم على الجنة الذي إن تبعوه وسلكوه دخلوها وبذا تم المقصود ، وحصل المطلوب من العبادة .

وقوله فليس مني: إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه ، فمعنى: (( فليس مني ) )أي على طريقي ولا يلزم أن يخرج عن الملة وإن كان إعراضا وتنطعا يفضي إلى أرجحية عمله ، فمعنى (( فليس مني ) )ليس على ملتي لاعتقاد ذلك نوع من الكفر 33 .

المبحث الثاني: أمره ونهيه صلى الله عليه وسلم بسبب في مجال العبادة:

وفيه عدة مطالب

المطلب الأول: الوضوء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت