فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 613

و الإسلام عنده ليس مصدرا وحيدا للتلقي ،و ليس رسالة إلهية كاملة: عقيدة و شريعة ، أخلاقا و مفاهيم ، و ليس هو مشروع حياة أبدية يتوقف عليه مصير البشرية جمعاء. حتى بلغ به الأمر إلى انه قال: من مهام الفكر العربي اليوم العمل على تحويل العقيدة إلى مجرد رأي (1) .

و مع ذلك فقد عثرت على قولين للجابري وصف في أحدهما الإسلام بأنه دين و دولة (2) ،و في الثاني قال: (( لأنني اعتقد و أُؤمن بأن الإسلام دين و دنيا ) ) (3) . فما تفسير هذا التناقض بين ما نقلناه عنه آنفا ،و بين قوليه الأخيرين؟ . إنه توجد أربعة احتمالات لتفسيره ، أولها إنه قال ذلك من باب الاعتقاد بأن الإسلام دين و دولة ،و دين و دنيا.و ثانيها إنه قال ذلك من باب وصف الإسلام ذاته ، بأنه دين شرّع للدين و الدولة ، و للدين و الدنيا معا ، فهو يُؤمن بذلك من باب الوصف و الإقرار بشيء موجود ،و ليس من باب الاعتقاد النظري و العملي.

و ثالثها إنه قال ذلك من باب وصف الإسلام من الناحية التاريخية ، بأنه كان في عصره الذهبي دينا و دولة ،و دينا و دنيا. و آخرها-أي الاحتمال الرابع- ، إنه قال ذلك من باب التلاعب و التضليل ، و ذر الغبار في عيون منتقديه من الإسلاميين ، لإسكاتهم و التخفيف من انتقاداتهم له .فبالنسبة للاحتمال الأول فهو مُستبعد ، لأن المشروع الجابري شهد على نفسه بأنه مشروع قومي علماني ديمقراطي ، لا يُمثل فيه الإسلام إلا مقوما تراثيا تجاوزه الزمن . و أما الاحتمالان الثاني و الثالث فهما واردان ،و يبدو لي أنه يقصد أحدهما أو هما معا.و أما الاحتمال الرابع فهو وارد ، لكن الله تعالى أعلم به .

(1) عن ما قلناه عنه ، أنظر: العقل السياسي ، ص: 327 . و بنية العقل ، ص: 7 ، 416، 552 . و تكوين العقل ، ص: 338 ، 67 . و التراث و المحادثة ، ص: 17 .

(2) العقل سياسي ، ص: 310 .

(3) التراث و الحداثة ، ص: 339 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت